الرئيسية / هكذا نراها / أي عرش يحتفي به المغاربة: عرش الإصلاح والعدالة الاجتماعية (2)

أي عرش يحتفي به المغاربة: عرش الإصلاح والعدالة الاجتماعية (2)

إن امتلاك زمام المبادرة والنظرة الاستشرافية بدل الاكتفاء بالمراقبة اللاحقة والتعامل عبر ردود الأفعال، حتم ويحتم دائما على الجالس على عرش المملكة المغربية أن ينصت دائما لهموم شعبه وانتظاراتهم، والتعامل مع هذه المسؤولية كأمانة واجبة الأداء، فكيف إذا كان الجالس على العرش هو “ملك الفقراء” كما يسميه أبناء شعبه. لقد كسر العاهل المغربي الملك محمد السادس قاعدة أسلافه في الاكتفاء بمتابعة الجهد الحكومي الهادف لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية من العاصمة الرباط، مؤثرا أن يتنقل بنفسه لتدشين هذه المشاريع ومتابعة إنجازها دون وسيط، وهو الأمر الذي قربه من أبناء شعبه لاسيما في المناطق النائية، وجعل وزراءه “يلهثون” في محاولة متابعة وتيرة اشتغال ملكهم، قضاء لمصالح الناس، لتتحول العاصمة الرباط إلى المدينة التي يدخلها الملك أقل من غيرها من بين مدن المملكة.
إن مجرد استعراض سريع للورشات الإصلاحية التي أشرف على إطلاقها الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش قبل عقد ونصف، كفيلة ببيان مدى محورية هذه الجهود الإصلاحية، ومساهمتها تاليا في الاستقرار الذي تنعم به المغرب حاليا. فبعد بضعة شهور فقط على اعتلائه العرش، حرص العاهل المغربي على إصلاح علاقة المواطنين بالسلطة، والجانب الأمني تحديدا عبر خطابه الشهير في مدينة الدار البيضاء الذي دشن من خلاله “المفهوم الجديد للسلطة” التي تعتمد معايير حقوق الإنسان ضابطا لعلاقتها مع المواطنين. ليتلوها الورش الإصلاحي الخاص “بمدونة الأسرة” والتي جمعت علماء الدين ونشطاء الجمعيات الأهلية، ناهيك عن رجال ونساء القانون ليخرجو بتوليفة لا تخالف أصلا صحيحا من أصول الدين، وتراعي منطق العصر في تنظيم القوانين المؤطرة لهذا الحقل الذي يمس كل مغربي ومغربية.
ولأن العنوان هو الإصلاح، فقد كان الإصلاح الدستوري أبرز منجزات العهد الجديد، وبتوافق تام بين مختلف حساسيات وفعاليات المجتمع المغربي، والذي مكن المغاربة من دستور جديد كليا، أقره الشعب بأغلبية ساحقة قبل متم عام 2011. دستور كرس وجمع بين دفتيه ورشات الإصلاح الأخرى، وأضفى الصبغة الدستورية على الإصلاحات الحقوقية، الثقافة واللغة الأمازيغية، قانون الجهات (المحافظات) الذي يمكن كل جهة من إدارة شؤونها المحلية ومواردها المالية وفق هامش استقلال كبير عن المركز، وبشر بإصلاح منظومة القضاء، المحكمة الدستورية، وغيرها من مجالات الحياة التي تشغل بال المغاربة جميعا.
ولعل آخر الأوراش الإصلاحية ذلك المتعلق باستكمال العمل المبذول في مجال “الإصلاح الديني” والذي يكفل عدم تحويل الفقهاء وعلماء الدين لمنابر الخطابة في المساجد إلى ساحة عمل سياسي، وهو ما يزيد من تحصين المغرب تجاهالظواهر الغريبة والمأساوية للتوظيف السيء والفج للدين في السياسة، والذي اكتوت وما زالت بنيرانه معظم الدول العربية ماضيا وحاضرا، ويبشر بإدخالنا في حقبة الخلافات والإمارات الإسلامية، وتقسيم بلداننا العربية أكثر مما هي مقسمة.
إن شعبا يثق بصدق ملكه في جهوده الرامية لمكافحة الفقر وفك العزلة عن العالم القروي وإيصال الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وماء وكهرباء إلى أبعد نقطة من بلاده، لا يمكن إلا أن يلتف حول هذا العرش، ويحتفل بمناسبة عيد العرش أو الجلوس كمناسبة خاصة، داعيا من القلب أن تستمر هذه الاحتفالات لسنين وعقود قادمة.