الرئيسية / هكذا نراها / رسالة للجزائر: المغرب وإسبانيا علاقة محكومة بالتعاون لمصلحة الشعبين

رسالة للجزائر: المغرب وإسبانيا علاقة محكومة بالتعاون لمصلحة الشعبين

قد تبدو الزيارة التي اختار العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس أن يقوم بها للمغرب قبل مرور شهر على تنصيبه ملكا، والأولى لبلد خارج الاتحاد الأوروبي بروتوكولية للبعض، على اعتبار أن منصب الملك شرفي إلى حد كبير في مملكة إسبانيا، لكن هذا الحكم المتعجل سرعان ما تنفيه قراءة متأنية لأصدقاء الزيارة في أروقة ووسائل إعلام البلدين، والتي اجتمعت على الترحيب بالزيارة وما تحمله من دلالات، وما يترتب من نتائج عادة على زيارات الصداقة بين عاهلي البلدين، والذين لم يفسد للود بينهما تعاقب حكومات اليمين واليسار على حكم جار الشمال. وصحيح أيضا أن علاقة المغرب بإسبانيا –وعكس ما هو حاصل بالنسبة للشريك الثاني فرنسا- لطالما عاشت فترات أفضل في ظل حكم الاشتراكيين في اسبانيا عنها في ظل حكم اليمين، مع استثناء الحكومة الحالية، التي جعلتها مواقف المغرب النبيلة تجاه الأزمة الاقتصادية التي تضرب بلدهم منذ خمس سنوات، يغيرون من مواقفهم التقليدية تجاه جار الجنوب.
إن ما يلفت الانتباه في هذه الزيارة، ليس الدخول في جدل حول أهميتها أو كونها بروتوكول تقليدي بين صديقين، بمقدار ما هو الدرس الواضح الذي تنطق به قدرة البلدين على إدارة علاقاتهما بمعزل عن الملفات العالقة بينهما، وأبرزها ملف الأراضي المغربية المحتلة، سبتة ومليلية والجزر الخالدات، بغض النظر عن الجالس في مقاعد الحكومة الإسبانية يمينيا كان أو يساريا. قدرة تعود في جانب منها، إلى طبيعة الحكم الديمقراطي في إسبانيا، والتي لا تسمح للهوية الإيديولوجية للحكومة بأن تؤثر على مصالح الناس الذين تسوسهم، والتي عنوانها الأبرز علاقات حسن الجوار مع محيطها المباشر، كما تعود في جانب آخر إلى علاقة الود العريقة بين الأسرتين الملكيتين، لكنها قبل هذا وذاك، تعود إلى ترفع المغرب عن اللعب على مشاكل اسبانيا، وثبات منهج حسن الجوار في سياسة المغرب الخارجية. فالمغرب كان بإمكانه اللعب على ملف المهاجرين السريين بشكل يؤلم إسبانيا، ناهيك عن قدرته على إيذاء أساطيل الصيد البحري الإسباني بحرمانها من الصيد في مياهه الممتدة على طول ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلومتر، كما كان بإمكانه أن يحرم المقاولات والأيدي العاملة من العمل في المغرب وزيادة أزمتها المالية التي تكاد تخنقها منذ خمس سنوات، لكنه فضل أن يبقى وفيا لمبادئه وثوابته، وبقيت اسبانيا ملتزمة بقيم إدارة شأنها بديمقراطية، وبذا استطاع البلدان العبور بعلاقتهما من أزمات وصلت بهما إلى حد المواجهة المسلحة مع الحكومة التي تمثل نفس الحزب الحالي مع رئيسها السابق أثنار.
إن الدرس الأهم من هذا كله موجه لا لأصدقاء الجوار، بل لأشقاء الدم الممسكين بزمام أمور حكم الجزائر، ومفاده ببساطة، وعلاوة على كل ما يمكن قوله عن الدم المختلط الذي يجري في عروق المغاربة والجزائريين، وما أريق من دماء زكية لأبنائهما في حربهما المشتركة ضد الاستعمار الفرنسي على ثرى البلدين، أن مصلحة أبناء الشعب الجزائري –والمغربي بطبيعة الحال- تكمن في تواصل حر مفتوح بين البلدان، وحركة لا تعوقها اية حواجز من أي نوع لأبناء البلدين ورأسمالهما ومنتجاتهما الطبيعية والمصنعة، وهو ما سيسهم في جعلهما قطب رحى عربي وإفريقي يقدم أعظم فائدة للمحيط الإقليمي العربي والإفريقي والأوروبي. أما استمرار اتخاذ نزاع مفتعل كالصحراء مطية ومسوغا لاستمرار القطيعة بين أبناء الشعبين، فهو بكل المقاييس جريمة وطنية، خطيئة دينية، غباء استراتيجي، وضرب بكل مصلحة ممكنة لأبناء الجزائر… فهل من معتبر؟