الرئيسية / هكذا نراها / شهر رمضان المبارك.. والتناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة

شهر رمضان المبارك.. والتناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة

ها قد هل علينا الشهر الأبرك خلال العام، شهر رمضان الكريم. شهر نتفنن في مدحه بما هو أهله على صعيد الخطاب، بمقدار اجتهادنا في مناقضة هذه الصفات على صعيد الممارسة، بشكل واع أو غير واع. نجتهد في إعلاء قيمة الإحساس بالفقير من خلال الصوم ومعاناة الحرمان من لذة الأكل والشرب، وفي المقابل، تكفي نظرة واحدة إلى طوابير الواقفين أمام أماكن بيع كل ما له علاقة بالأكل والشرب، أو النظر إلى أية مائدة رمضانية لنكتشف مقدار الهوة الشاسعة ما بين القول والفعل. نغدق عليه الأوصاف الروحانية السامية، وتكفي نظرة واحدة إلى أي منزل لنتأكد أن إسهال الدراما التي لا علاقة لها بأي ملمح روحاني لم يترك دقيقة واحدة لكل من هو جالس في منزله لعمل أي شيء سوى التنقل بين المحطات ونجومها ونجماتها الذين يتسابقون لاحتلال كامل مساحة الشهر الكريم وساعات يومه وليله الأربع والعشرين. نبالغ في التأكيد على كونه شهر المغفرة والرحمة وكل عمل صالح، وقلما تجد من يستلهم هذه المعاني ويتخذ من الشهر الكريم مناسبة للتصالح مع خصومه من الأهل والأصدقاء والجيران، بل وبحجة الصوم وأن الصورة النمطية للصائم “المرمضن” هي صورة كائن عصبي لا يتحمل نسمة هواء غير مناسبة، يقل التسامح في الطرقات بين سائقي السيارات، كما في أماكن العمل المختلفة وبين مختلف الناس.
وحتى بالنسبة للعبادات، وما نطالعه من امتلاء للمساجد في صلاة التراويح، وهي الصورة التي في ظاهرها عنوان لزيادة التعبد والتقرب إلى الله، يجب أن لا تحرف انتباهنا عن كونها تحمل في طياتها نوعا من “المبالغة” التي ليست محمودة بالضرورة، ليس فقط لأن القيم التي يتضمنها كتاب الله العزيز الذي نختمه في التراويح لا تجد كثير ترجمة في السلوك اليومي لمعظمنا، بل لأن هذه المبالغة في التدين تنصب على ما هو سطحي، ويترجمها معظمنا في الترويج للأدعية والإكثار مما هو طقوسي دون أن نلاحظ الكثير من التغيير في علاقات الناس، بل إن هذا “الصلاح” محدود لدى الكثيرين في الفترة النهارية المواكبة لامتناعه عن شهوتي البطن والفرج، لينفلت عقال هاتين الشهوتين ليلا بعد الإفطار وإلى أن يحين موعد إذان الفجر.
ومع ذلك، تبقى لرمضان الكريم خصوصياته وأجواؤه المحببة لدى جميع المسلمين، كل بطريقته ولأسبابه الخاصة، أجواء نتمنى أن نعيش اليوم الذي يتصالح فيه الخطاب الرمضاني مع الممارسة الرمضانية، لتكتمل الأجواء الروحانية الحقيقية لهذا الشهر المبارك.. ورمضان كريم.