الرئيسية / هكذا نراها / اختلاف الرؤى والمقاربات رحمة

اختلاف الرؤى والمقاربات رحمة

أن تختلف التوقعات الاقتصادية لجهازين رسميين، أمر قد يثير القلق في بعض البلدان، ويستدعي تدخلا حكوميا عاجلا يلجم من يخرج عن الخط المرسوم، لكنه في المغرب أمر أصبح معتادا، لدرجة قلما يستوقف أحدا. مناسبة الحديث هي صدور تقديرات متضاربة لنسبة النمو الاقتصادي، البطالة والموسم الفلاحي من قبل وزارة المالية والمندوبية السامية للتخطيط. حيث كما هو متوقع ومعتاد، جاءت أرقام الحكومة أعلى وأكثر تفاؤلا من أرقام المندوبية، الجهة الرسمية المستقلة التي لا تخضع لوصاية الحكومة. وإذا أضفنا إلى توقعات هذين الجهازين، توقعات كل من البنك المركزي، ومراكز الدراسات الاقتصادية الخاصة من قبيل المركز المغربي للظرفية، يصبح لدينا تقديرات أربعة، مبنية على مناهج ومقاربات أربعة، تقود إلى سيناريوهات أربعة تغني الصورة الموضوعة بين يدي صاحب القرار، وتعطيه من البدائل ما يتيح له اختيار الأفضل والأكثر ملائمة.
لقد بين الصورة الحالية، بعد النظر الذي تمتع به العاهل المغربي عندما قرر فصل المندوبية السامية للتخطيط عن وصاية الحكومة التي جرت العادة أن تناط مهامها في معظم إنلم يكن جميع الدول العربية بوزارة التخطيط، وألحقت بها المؤسسة الإحصائية الأكبر (مديرية الإحصاء)، وذلك من أجل منحها الاستقلالية والاستمرارية، اللتان تتيحان لها العمل بمعزل عن تبدل الطابع السياسي للأطراف المشكلة للحكومة، وهو الأمر الذي يؤتي ثماره الآن.
إن الدرس المستفاد من هذه التجربة المغربية الرائدة، هو أن على الحكومات أن لا تخشى تعدد الرؤى والمقاربات واختلاف النتائج والمعالجات، سواء داخل القطاع العام أو خارجه، لأن من شأن النقاش الغنى الذي ينتج عن مثل هذا الوضع، أن يشكل تمرينا حقيقيا لإدارة الشأن العام برشد وحكمة، ويسهل على المشرعين وأصحاب القرار التحسب للسيناريوهات الصعبة، واتخاذ القرارات الأقرب غلى مصلحة الناس كما يرونها لا كما يتخيلها الخبراء داخل غرفهم المغلقة..