الرئيسية / هكذا نراها / دروس الزيارة الملكية لتونس: السياسة شجاعة وأخلاق (3)

دروس الزيارة الملكية لتونس: السياسة شجاعة وأخلاق (3)

كان مشهدا نادرا، عندما هبط عن سلم الطائرة، العاهل المغربي متبوعا بولي عهده الأمير مولاي الحسن، وشقيقه مولاي رشيد. منظر غير مألوف لا يتكرر إلا نادرا، وهو وحده كاف للتدليل على ما يوليه الملك محمد السادس من أهمية لهذه الزيارة لتونس. وإذا أضفنا المدة التي استغرقتها الزيارة والتي زادت عن عشرة أيام، ندرك أنها حدث استثنائي ذي أبعاد على درجة كبيرة من الأهمية. أهمية اتضحت كذلك من خلال اصطحاب الملك لطاقم مستشاريه الأساسي، إضافة لاثني عشر وزيرا أو قرابة ثلث الحكومة المغربية، ناهيك عن العديد من رجال الأعمال وممثلي القطاع الخاص المهمين، قاموا خلال يوم الزيارة الاول بالتوقيع على ثلاثة وعشرين اتفاقية شملت أهم ميادين التعاون الاستراتيجي بين البلدين الشقيقين.
وإذا ابتعدنا قليلا بالحديث عن هذه الأوجه الهامة للزيارة، والتي أسالت الكثير من المداد في المغرب وتونس ودول الجوار، لنعرج على بعض الإشارات الرمزية التي كانت الزيارة حافلة وغنية بالعديد منها، تطالعنا أكثر من إشارة تحمل بوضوح بصمة العاهل المغربي الملك محمد السادس التي لا تخطؤها العين.
أول هذه الإشارت وربما أبرزها، هي شجاعة الرجل النابعة من إيمانه الصلب. فأن تركب طائرة أنت وولي عهدك وشقيقك هي لعمري شجاعة وأية شجاعة. زد على ذلك أن هذه الزيارة تتم لبلد يفتقر للاستقرار، بل وتعرض فيه وزير الداخلية، قمة الهرم الأمني في البلاد، لهجوم إرهابي قبلها بيومين، مما أسفر عن ضحايا، مما يشكل حادثة تجعل دولا عديدة تحث مواطنيها على عدم زيارة بلد بهذه المواصفات. وقد التقط معظم المحللون التونسيون الذين غطوا الزيارة الملكية هذه الإشارة، واعتبروها أكبر رسالة دعم من الملك محمد السادس لبلادهم، في أولى أيام موسم السياحة، وأثبتت للعالم أن تونس آمنة، بشكل عملي يتفوق على كل رسائل التطمين التي يمكن لوزارة الداخلية أن ترسلها لمواطني العالم. لقد زار العاهل المغربي تونس على مدى عشرة أيام، ارتاد أماكنها السياحية، تمشى في أزقتها وشوارعها الرئيسية والفرعية، تواصل مع المواطنين في حقولهم وأماكن عملهم والتقط معهم الصور في الأسواق والساحات، دون أن يخشى عواقب هذه الحركة الكثيفة في بلد غير مستقر أمنيا، شهد العديد
من الاغتيالات السياسية في السنة الأخيرة.
هذه النقطة تقود لإشارة أخرى تحسب للرجل، وهي تلك المتعلقة باعتباره السياسة والممارسة السياسية ممارسة أخلاقية. فقد تصرف بشهامة مع شقيق يحتاج لمساعدة معنوية قبل المادية، وأدرك أن حركة كثيفة وتواصل حر مع المواطنين، والسماح للكاميرات بالتقاط الصور له في مختلف الاماكن التونسية، من شأنه أن يشكل أكبر دعاية للسياحة التونسية، ويقدم أكبر خدمة لهذا القطاع الحيوي، أكثر من جلب مليارات الدولارات وضخها في مشاريع مشكوك في نجاعتها. إن تقديم يد العون إلى الشقيق دون أن تتبعها بمن أو أذى، كما أمرنا ربنا الكريم، وفي الوقت الذي يكون في أمس الحاجة لمثل هذه المساعدة، ودون أن يطلبها هي قمة الممارسة الأخلاقية، ناهيك عن كونها قمة النجاعة السياسية. ولأنها رسالة محبة أولا وقبل كل شيء، فقد وصلت لجميع أهل تونس، وردوها بأحسن منها، بأن بادلوه حبا بحب.
إشارة أخرى لا تبتعد كثيرا عن جو الملاحظات السابقة، وتتعلق بترجمة الإيمان العميق للعاهل المغربي بضرورة التعاون فيما بين البلدان المغاربية سبيلا لتحقيق تطلعات المواطنين، في جميع الخطابات والتصريحات التي صدرت عنه خلال الزيارة، وتنسجم مع خطاباته في مختلف المناسبات قبلها. مصلحة يسهر عليها ويرعاها شخصيا في بلاده عبر إشرافه اليومي والمباشر على مختلف المشاريع التنموية التي يستفيد منها بالخصوص الفقراء والمهمشين من مواطني وجهات المغرب، بشكل يجعله قريبا من مواطنيه ويحظى باحترام ومحبة حقيقيين قلما حظي بمثلهما زعيم عربي آخر.
أخيرا وليس آخرا، تحفل الزيارة الملكية لتونس، بدروس وعبر، وتزخر بملاحظات وإشارات يمكن أن تعتبر مجالا خصبا لدراسة سياسة وشخصية الملك محمد السادس، مع الامل بأن توافق نتائج هذه الزيارة مقدماتها، لا على مستوى العلاقة الأخوية بين البلدين، بل وعلى مستوى الأقطار المغاربية الخمسة التي توجد في وضعية هي في أمس الحاجة لكل جهد تكاملي ووحدوي، بما يحسن مستوى حياة مواطنيهم ويحقق تطلعاتهم.