الرئيسية / هكذا نراها / دروس الزيارة الملكية لتونس: دبلوماسية محمد السادس (2)

دروس الزيارة الملكية لتونس: دبلوماسية محمد السادس (2)

من خصوصيات الدبلوماسية المغربية أن العاهل المغربي تاريخيا لطالما لعب دورا نشطا في إدارة هذا الاختصاص من اختصاصات الدولة، داخليا وخارجيا، وذلك لأسباب عديدة ليس هنا مجال الخوض فيها، ولم يشكل العاهل المغربي الملك محمد السادس استثناءا لهذه القاعدة بل ترسيخا لها. ويمكن اعتبار أن “الدبلوماسية الملكية” قد شهدت مع الملك محمد السادس نقلة كبيرة عما كانت عليه مع والده وجده المغفور لهما الملك الحسن الثاني والملك محمد الخامس، سواء بالنسبة للكم أو النوع، وهو تطور أملته طبيعة الرجل وطبيعة المرحلة.
ويمكن اعتبار أن الزيارة الملكية لتونس علامة فارقة في تاريخ الدبلوماسية الملكية، سواء لجهة طول المدة، جدول الأعمال، نوعية الوفد المرافق، الأهداف، الأنشطة الموازية، والحصيلة، وهي تدشن بكل المقاييس حقبة عمل جاد على صعيد الدائرة المغاربية، خيار المغرب وعمقه الاستراتيجي، وتستكمل وتنسجم مع العمل الذي بدأه ويرعاه باستمرار العاهل المغربي على صعيد الدائرة الإفريقية.
لقد دأب الملك محمد السادس، وبشكل متفرد عن سابقه، بإيلاء أهمية قصوى لعمق المغرب الإفريقي، وذلك عبر العمل الجاد والدؤوب، الذي يشارك فيه القطاعين العام والخاص المغربيين، ويسهر الملك شخصيا على تتبعه عبر الزيارات المتكررة لهذه المنطقة (غرب إفريقيا) بمختلف دولها، ولم يكتف باستقبال رؤسائها الذين يجدون كل الترحاب في المغرب، بل والأهم أبنائها وطلابها وحتى مهاجريها، متفردا بمنحهم وضعا شرعيا يحترم المعايير الإنسانية الدولية، بل ويشكل نموذجا تطرحه نافي بيلاي المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أمام الدول الأوروبية من أجل الاسترشاد به. إن هذا العمل الجاد والمستمر، الذي لا يكتفي الملك محمد السادس بمتابعته ورعايته، بل يمارس وبنشاط الدور الأبرز في تطويره، هو عمل تتكامل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والروحية والإنسانية وغيرها، ويعطي لانتماء المغرب الجغرافي والحضاري البعد الإفريقي الذي لطالما افتقده، لاسيما وهو يرى المنافسة الشرسة اقتصاديا وسياسيا بين القوى الدولية والإقليمية العظمى على النفوذ في هذه المنطقة من العالم.
أما مغاربيا، وأمام التأزم المستمر الذي اختارته القيادة الجزائرية عنوانا لسياستها تجاه الجار المغربي، والذي يوتر ويجمد العلاقة بينهما عند حدود دنيا لا تليق بتاريخ البلدين النضالي المشترك، ولا بما بين الشعبين من روابط قربى ودم، ويتسبب بالتبعية في تجميد مجمل الوضع داخل “اتحاد المغرب العربي”، وأمام تاريخ مأزوم مع ليبيا لطالما كان معياره الوحيد مزاج “العقيد” المفتقد لأي منطق، ووضع ليبي متسم بالفوضى ومبشر بعهد جديد وزاهر من العلاقات الليبية المغربية بعد الاستقرار، استنادا لما يمكن للتعاون بين البلدين أن يثمر خيرا لهما على مختلف الأصعدة، وأمام علاقة محكومة بالمد والجزر في العلاقة مع موريتانيا التي يحلو لقيادتها بين الفينة والأخرى أن تلعب على وتر التناقض بين المغرب والجزائر، في انتظار الاحتكام لمنطق العقل ومصلحة المواطنين في بلد كان إلى وقت قريب جزءا من المملكة المغربية وأحد مكوناتها الغنية، نقول، أمام هذا المشهد المركب، تأتي الالتفاتة الملكية الدبلوماسية تجاه تونس في وقتها تماما، لأنها اللحظة التي تجد تونس نفسها بحاجة إلى السند السياسي والاقتصادي والنفسي من الأشقاء، بالمحبة لا بالمن، وقت ضيق تعلو فيه قيمة هذه المساندة النفسية والاقتصادية والسياسية على كل دعم ومساندة في وقت آخر.
والجميل في الأمر، أن تاريخ العلاقة مع تونس زين العابدين بن علي كان مطبوعا بالتوتر المستتر والمعلن، ولكن عندما دعت الضرورة، واحتاج البلد والشعب للتضامن والمساندة الاخوية الصادقة، وجد اليد المغربية ممدودة صادقة، لتساعده في الإقالة من عثرته، في إطار من العلاقة الاستراتيجية الشاملة على مختلف المستويات، بشكل يؤهل البلدين معا من الاستفادة من المنافع المنتظرة لهذه العلاقة بشكل متوازن وحقيقي.
إن اهتمام الدبلوماسية الملكية بتوسيع دائرة نشاطها لتشمل الدائرة المغاربية بعد الإفريقية، يسهم في تحصين المغرب وتدعيم علاقاته القوية مع الدوائر الموالية العربية والأوروبية، ويقوي رصيده عند التعامل مع الدوائر الهامة الأبعد، كالأمريكية والصينية والروسية، واللاعبين الأقل شأنا كالإيرانيين والأتراك. وكل ما سبق، يحمل بصمة الملك محمد السادس الواضحة ويحسب له شخصيا، لأنه لم يكتف بدور المبارك للجهد الدبلوماسي الحكومي في هذه الدوائر، ولم يجلس في قصره في انتظار زيارة بروتوكولية لهذا الرئيس أو ذاك، بل تحرك وجال وتنقل بين المدن والقرى، ودشن المشاريع والتقى مع القيادات الروحية، وصافح الناس في الشوارع والأزقة، في جهد إنساني بديع، كانت عوائده النفسية والإعلامية والإنسانية في غاية الأهمية للمغرب، ووازت في أهميتها ما جهدت الدبلوماسية الحكومية لصنعه على مدى عقود.