الرئيسية / هكذا نراها / دروس الزيارة الملكية لتونس: المغرب الكبير كخيار استراتيجي (1)

دروس الزيارة الملكية لتونس: المغرب الكبير كخيار استراتيجي (1)

زيارة تاريخية” هي الكلمة الأكثر تداولا في وسائل الإعلام المغربية والتونسية عندما يكون الحديث عن وصف الزيارة التي يقوم بها العاهل المغربي الملك محمد السادس لتونس، والمستمرة منذ الثلاثين من شهر مايو الماضي، وهي المدة غير المسبوقة التي تظهر عمق ارتياح الرجل في “بلده الثاني” تونس، وعمق ترحيب البلد، بسليل الأسرة العلوية التي لطالما وجد ملوكها كل الترحاب والحفاوة في هذا البلد المضياف.
ورغم أن هذا المصطلح: “التاريخي” لطالما ألصق بأحداث أقل أهمية بكثير من حدث الزيارة الملكية، إلا أن اجماع المتتبعين للزيارة في البلدين، بل وخارجهما، على استخدامه يعطي للعبارة مشروعيتها، مشروعية تستمدها من كم الرسائل الهائل الذي ترسله الزيارة الحدث، وصانعها الملك محمد السادس يوميا، على مختلف الصعد الرمزية والواقعية والاستراتيجية والاستشرافية وغيرها. وبسبب هذا الغنى في المحتوى، والكثافة في الرسائل، يبدو من الصعوبة بمكان حصرها في افتتاحية أو اثنتين، ويجعلنا مجبرين على إفراد مساحات كافية لقراءة الزيارة واستشراف تداعياتها على مستقبل علاقة البلدين، والتكامل المأمول بين دول المغرب الكبير.
ومن هذه النقطة بالذات، المغرب الكبير، تبدأ أولى الرسائل وأقواها. فالمملكة المغربية، بمختلف أطيافها وفعالياتها وحساسياتها تبدو موحدة خلف رؤية قائد مسيرتها المتشبث بصدق بخيار الاندماج المغاربي، والمؤمن بضرورة العمل الجاد والدؤوب لتجسيد حلم شعوب المنطقة في الوحدة والتكامل. وليس غريبا أن يكون المغرب بالذات هو المحتضن لحلم المغرب الكبير، الساعي لتجسيده، ليس فقط كون مراكش قد احتضنت قبل ربع قرن اتفاقية التوقيع على إنشائه، بل وبالأساس، لأن المغرب هو البلد الذي يجسد مشروعية هذا الحلم منذ قرون، عندما كانت حدوده تلامس مصر والسودان شرقا، نهر السنغال جنوبا، وفرنسا شمالا، تاركا للمحيط الأطلسي حصر هذه الحدود من الغرب. هذا التراث الممتد عبر قرون لا يشاركه فيه بلد مغاربي آخر، رغم ما بين هذه البلدان من تقارب وتشابه. ولأن شرعية ملوك المغرب على اختلاف أسرهم وسلالاتهم كانت تستمد مبرراتها من حرصها على تجسيد الإرادة الشعبية والتعبير عن طموح المواطنين، فقد حمل ملوكها قديما وحديثا على عاتقهم مسؤولية وأمانة السعي لتجسيد حلم المغرب الكبير، تجسيد وجد ترجمته الأعمق خلال النضال المشترك لهذه المنطقة ضد مستعمرها الفرنسي بالأساس، حيث احتضنت المغرب رسميا وشعبيا حركات التحرر المغاربية، الجزائرية والتونسية بالأساس، وجسدت عبر نضالها المبدئي وتضحياتها بالمال والموقف والنفس هذا الإيمان بوحدة المصير.
وها هي الزيارة الملكية لتونس، تستمر في تجسيد وفائها لهذه القيم المشتركة، عبر تكريس الملك محمد السادس لمعظم خطابه أمام المجلس التأسيسي التونسي لهذا الهدف النبيل، وترجمة هذا الإيمان عبر أزيد من عشرين اتفاقية تعاون تغطي معظم مجالات التعاون المحتملة بين البلدين، قام بتوقيعها قرابة ثلث أعضاء الحكومة المغربية الذين قام العاهل المغربي باصطحابهم لهذه الغاية. ولأن المقام هو مقام عمل لا مجرد تعبير عن أمل، فقد حرص الملك محمد السادس على التأكيد على ضرورة أن تركز هذه المشاريع على الطابع العملي للتكامل المغاربي، والذي يجب أن ينصب بالأساس على ربط البنى التحتية لهذه البلدان الخمسة، بشكل يسهم في تسهيل حركة تنقل البضائع والأشخاص ورؤوس الأموال، وهو ما تقف أمامه سلطات الجزائر سدا منيعا بقطعها التواصل بين أقطار المغرب الكبير عبر إغلاقها لحدودها مع المغرب منذ ما يقرب من عقدين، في استفزاز سافر وشنيع لمشاعر كل مؤمن بوحدة المغرب الكبير، لا في المغرب وحده بل في باقي الأقطار المغاربية الأربعة.
وأخيرا، فلعل أكبر دليل على رسوخ البعد الوحدوي في فكر وسلوك العاهل المغربي الملك محمد السادس، هو إدراكه العميق لمصيرية هذا الخيار التكاملي لمختلف مكونات هذه المنطقة، وهو ما يظهر جليا من اختياره موضوع “الاتحاد العربي الإفريقي واستراتيجية المملكة في مجال العلاقات الدولية” لرسالة الماجستير، وموضوع “التعاون بين السوق الأوروبية المشتركة واتحاد المغرب العربي” عنوانا لرسالته لنيل الدكتوراه، وهي مواضيع يظهر جليا رهانها على الخيار المغاربي، كجزء، وهنا تكمن العظمة، من تكامل مختلف أجزاء وطننا العربي، وهو ما تجسده مختلف خطاباته أمام القمم العربية، واللقاءات الدولية التي تحتضنها وتشارك بها المملكة المغربية.
ولأن تونس، هي المؤهلة الأولى قديما وحديثا رغم ظروفها الحالية الصعبة، بحكم نضجها السياسي والاقتصادي، لمشاركة المغرب إيمانه وسعيه لتحقيق خيار التكامل والاندماج المغاربي، تزداد أهمية الزيارة التاريخية للملك محمد السادس لهذا القطر المغاربي، وتقوي الأمل بأن يشكلان معا قاطرة تقود الاتحاد المغاربي نحو وجهته الصحيحة، على أمل أن يعجل التحاق موريتانيا بعد إنهاء استحقاقها الرئاسي، وليبيا بعد خروجها من دوامة العنف والفوضى، بإرسال رسالة حاسمة للقيادة الجزائرية بأنه حان الوقت للاستماع لصوت العقل ورابطة الدم وتطلعات المواطنين، وأن عليها أن تزيل آخر وأكبر العقبات في وجه هذا الحلم المغاربي، وتفتح الحدود بينها وبين الشقيق المغربي، وتلقي في مزبلة التاريخ بورقة البوليساريو المحروقة، قبل أن تحرقها “أكذوبة” حق تقرير المصير لصحراويي المغرب، والتي أصبحت نغمة محببة لدى انفصاليي منطقة “القبايل” الجزائرية وعدد آخر من المناطق التي تعاني الحيف والتهميش، وهو ما لا يرضاه كل إنسان غيور على وحدة شعوب وأراضي المغرب الكبير، وباقي أقطار وطننا العربي.