المغرب الكبير

2016!!

في أدبياتنا العربية، اعتاد كتابنا وصحفيونا اعتبار السنة التي يستقبلون “سنة مصيرية”، والانتخابات التي يستعدون لإجرائها “انتخابات مصيرية”، والبطولة التي يخوضها منتخبهم “بطولة مصيرية”، والحال أننا عكس ذلك تماما، نتقن، كحكومات ونخب أساسا، فن إضاعة الفرص والوقت والمال، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر تهدد بتعقيد حاضرنا، والتنازع حول ماضينا، وتهديد مستقبلنا.
نقول ذلك، ونحن نشرع في استقبال عام 2016، بعد أن ودعنا سابقه دون عظيم أسف، لأنه كالأعوام والعقود التي سبقته، لم يشهد أحداثا عظاما تجعلنا نتمنى بقاءه أكثر، وذلك في مختلف الدول العربية والإسلامية. عام جديد يتضح من المطالعة السريعة لأجندته، والاستعراض العام لاستحقاقاته، أنه سيكون عاما هاما، حتى لا نقع في فخ مصطلح “المصيري”.
ففي المغرب، هو عام الانتخابات التشريعية، التي ستعرف سخونة بالغة ستنبئ بمآل التجربة العربية الوحيدة التي يقودها حزب إسلامي التوجه، والاصطفافات والتحالفات التي ستفرزها هذه الانتخابات، التي من المتوقع أن تعيد تشكيل الخارطة السياسية، والتي يمكن أن تشهد إعادة تحالف أحزاب اليمين والوسط (الأصالة والمعاصرة، التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية، والاتحاد الدستوري)، في مقابل احتمال تحالف الإسلاميين مع الاشتراكيين (العدالة والتنمية، الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية)، طبعا إذا توفرت الشروط الموضوعية لمثل هذين التحالفين. أمر إذا تم، سيعلن دخول المغرب في عصر الكتل السياسية الكبرى، وانتهاء الشرذمة الحزبية التي شهدها منذ منتصف التسعينات. يرافق السنة الانتخابية طبعا عام تشريعي قوي، تسعى خلاله الحكومة إلى تمرير ما تبقى في أدراجها من قوانين، بشكل له حسناته وسيئاته، وإن نتج عنه في المحصلة تحديث ترسانة القوانين المغربية المتقادمة، وتنزيل العديد من مفاعيل دستور 2011 التي لا تزال تنتظر.
أما في الجزائر، فيبدو عنوان “التعديل الدستوري” هو الأبرز، وإن كان الشجرة التي تحاول إخفاء غابة “ترتيبات مرحلة ما بعد بوتفليقة”، والتي ستتميز باستمرار ما يعتبره البعض محاولة من الجيش الوطني لفك الارتباط التاريخي مع فرنسا، واستمرار استهداف أدوات هذه الأخيرة في مختلف مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل الوضع مفتوحا على مجاهيل كثيرة. فبعد تكسير إمبراطورية الفريق “توفيق”، ومحاصرة فريق الرئاسة في أكثر من موقع، والتصدي لجنرالات المخابرات ومحاكمتهم، لا يبدو الأمر واضحا بالنسبة للمؤسسة الأمنية التي يقف على رأسها أحد أشد المخلصين لبوتفليقة (اللواء عبد الغني الهامل)، ولا بالنسبة للمؤسسة الاقتصادية الممثلة في رجال الأعمال المرتبطين بالفريق توفيق أو بشقيق الرئيس الأصغر السعيد بوتفليقة. كما أن احتمال استمرار ضعف، وربما تدهور، أسعار النفط يلقي بظلال كثيفة على مستقبل الاقتصاد الجزائري، بل والاستقرار الاجتماعي برمته، لاسيما مع إجراءات التقشف المعلن عنها من قبل الحكومة.
أما ليبيا، فلا تزال أزمتها تراوح مكانها، على الرغم من التوقيع النهائي على “اتفاق الصخيرات”، واعتبار الأمم المتحدة التي رعته أنه اتفاق نهائي وغير قابل للتعديل قبل أن يتم تنزيل مقتضياته على الأرض. فالبرلمان المقيم في طرابلس يرفض الاتفاق برمته، بشكل يغطي على الرفض الذي كان متوقعا من مجلس نواب طبرق، الذي تتمسك رئاسته بالجنرال خليفة حفتر رئيسا للجيش الجديد، وهو الشخصية الخلافية التي لم تؤمن يوما بما يجري من عملية تفاوضية، ويصر على خوض “حربه الشخصية” حتى النهاية، ومن شأن وجوده على رأس الجيش أن يثير حفيظة رؤساء الميليشيات المماثلة. إن عدم نجاح الفرقاء الليبيين في تجاوز خلافاتهم، وعدم قدرة المجتمع الدولي على فرض إرادته في هذا البلد المبتلى بالفوضى، من شأنه أن ينهي الدولة الليبية تماما خلال 2016، ويشرعها أمام التقسيم الفعلي على الأرض بين عصابات أو ميليشيات أو إمارات –لا يهم- ويضع علامة استفهام كبرى على مستقبل المواطنين الليبيين.
أما الجارة تونس، ومع الانقسامات المتتالية في حزب الأغلبية (نداء تونس)، والذي يمكن أن يغير معطيات المشهد السياسي فيها، وتزايد حدة الاستقطاب بين فرقائها السياسيين والاجتماعيين، والأزمة الاقتصادية التي يزيد من تفاقمها الكساد السياحي الناتج عن تبعات الهجمات الإرهابية، كلها عناصر تجعل الترقب سيد المشهد في تونس، مع الاطمئنان النسبي إلى كون التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس لا تزال في بدايتها، وهي لا بد ستجلب ثمارها وإن تأخر الحصاد بعض الوقت، تبعا لنضج الطبقة السياسية التونسية.
ونختم بموريتانيا، التي على معارضتها أن تقتنع أن هذا الموقع لا يعني معارضة كل ما يأتي من طرف الأغلبية والسلطة، وأن النتيجة الوحيدة المقبولة هي نتيجة الفوز في الانتخابات، بمقدار ما على الرئيس وحكومته وأغلبيته أن تقتنع أن المعارضة في أي نظام ليست مجرد “ديكور” أو “شر لا بد منه” من أجل نيل شهادة “أيزو الديمقراطية”، وإن مستقبل موريتانيا لن يستقيم، وكذا نجاتها من التهديدات الإرهابية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية لن يتأتى، دون انخراط الجميع في مشروع مستقبلي يضع كل واحد فيه بصمته، دون تقسيم مسبق أو دائم لأدوار كل من الأغلبية والمعارضة، وإنه إذا تعذر التناوب على مقاعد تسيير الشأن العام، فيجب على الفرقاء السياسيين الموريتانيين، بما لأهل هذا البلد من حنكة، أن يكونوا قادرين على تشكيل حكومات ائتلافية تدمج بين أكثر من حزب من المعسكرين.
أما باقي العرب، فيبدو المشهد عندهم سوداويا لدرجة تجعل الخوض فيه محفوفا بالمخاطر، وربما سيكون بمقدورنا أن نخوض فيه لاحقا. نسأل الله أن يدخل هذا العام، على أهل أمتينا العربية والإسلامية، وباقي شعوب الأرض بالأمن والأمان، وأن نعيش فيه أياما أفضل من تلك التي ودعناها.