الرئيسية / سلايد شو / ابحثوا عن البراءة في وجوه الضحايا.. فقط!!
هجمات باريس

ابحثوا عن البراءة في وجوه الضحايا.. فقط!!

كم كانت ابتساماتهم جميلة.. وجوههم مشرقة.. عيونهم تعج بالحياة، وعليه، نتفهم كم هو ثقيل حزن ذويهم، وذكريات أصحابهم، وافتقاد من عرفهم من بشر وأماكن. لا شيء يمكنه أن يبرر إطفاء هذه الشموع، لا دين، ولا أيديولوجيا، ولا أي خلاف سياسي أو عقائدي.. القتل هو القتل، وهو مدان دون الخوض في سفسطة لا تنتهي. هو مدان “عندهم.. وعندنا”، كما أن وجوده “عندنا” لا يبرر تقبله “عندهم”. هم أبرياء ساقهم قدرهم للتواجد في المطعم أو المسرح أو الملعب أو الشارع الذي قيض لهم أن يغادروا حياتنا بعده، إلى كنف إله لا يميز بين عباده إلا بالتقوى، وهي هنا شيء لا يرتبط بالضرورة بالديانة أو المعتقد.
عبث البحث عن تبرير لقتل ضحايا هجمات العاصمة الفرنسية باريس، لا يوازيه عبثا إلا محاولة توسيع نطاق البراءة ليشمل كل ما هو فرنسي، في هذه اللحظات التي هي لحظات تعاطف وتضامن مع دولة ضرب الإرهاب جزءا من أرضها وشعبها. بوضوح، وبدون تلعثم أو ارتباك: ضحايا الهجمات الإرهابية أبرياء، أما حكومتهم وأحزابهم ونخبهم السياسية والفكرية فلا. ولعل ما يسهّل نزع ستار البراءة المفترضة عن كل هؤلاء، ردود الأفعال التي بدأت مباشرة بعد التفجيرات، بالهجوم على كل ما هو إسلامي، وهو نفس المنطق الذي يبرر إسقاط طائرة الركاب الروسية لأن حكومة بلاد ركابها الأبرياء، تقصف أبرياء مثلهم في سوريا.
لقد اختارت الحكومات الفرنسية المتعاقبة أن تشارك الولايات المتحدة حروبها المختلفة على “الإرهاب”، ومن الطبيعي في غياب تعريف واضح للمصطلح، أن يقع آلاف الضحايا الأبرياء؛ كما اختارت بحجة نظام الدولة العلماني، أن تمارس الحيف والتدخل الصارخ في الحياة الخاصة لآلاف الأبرياء من مواطنيها؛ واختارت كذلك، بحجة احترامها لحرية التعبير أن تسمح لمن يشاء من عنصرييها أن يتطاولوا على نبي الإسلام محمد، الشخصية الأكثر قداسة عند آلاف الأبرياء من مواطنيها المسلمين، مقابل إقفالها الباب نهائيا، تلميحا أو تصريحا، تجاه كل من يقترب من دولة الكيان الصهيوني، ليس فقط المعتقدات اليهودية التي من المفروض أن تصان طبعا، بل الأيديولوجية الصهيونية التي هي عرضة للصواب والخطأ، والتي للمفارقة تجد من ينتقدها في صفوف إسرائيل نفسها.
إن هذا السلوك الاختياري للحكومة الفرنسية، ولمعظم إن لم يكن كل الحكومات الغربية، والذي يدرك انحيازه وخطأه كل محلل أو خبير سياسي نزيه في هذه الدول، ينزلهم إلى المرتبة الأخلاقية التي لخصومهم من الإرهابيين المنتسبين للإسلام. وبالتالي، تصبح القضية حربا يتبادل فيها الطرفان قتلا بقتل، لأبرياء في هذه الضفة أو تلك. وعليه، فلا معنى مطلقا لهذه الموجة من “التبرؤ” والدفاع عن “سماحة الإسلام ووسطيته ونبذه للعنف” كلما وقعت حادثة هنا أو هناك، نتيجة أعمال الحرب المستعرة بين الجانبين، لأنه دفاع لا يحتاجه مؤيدوه ولا يقتنع به خصومه. ولو كانت الحالة كذلك، لاقتضى تبرؤ بابا الفاتيكان وتأكيده على سماحة المسيحية، وأنها بريئة من أفعال الحكومات الغربية، في أعقاب كل هجمة أو غارة يسقط جراءها ضحايا أبرياء مسلمين أو من معتقدات أخرى.
إن مسارعة أحزاب ونخب اليمين الفرنسي والغربي إلى المطالبة بإقفال مساجد، وتجريد “المحرّضين على خطاب الكراهية” من جنسيتهم الفرنسية، يجب أن ينطبق أول ما ينطبق على رموز اليمين، وحماة “حرية التعبير” الأحادية النظرة، من سياسيين وإعلاميين وأكاديميين، لأن الكراهية هي أكثر شيء ملحوظ في جميع خطاباتهم، بطريقة لا تحتاج حتى إلى تأويل. كما أن محاكمة غلاة المتشددين من المنتسبين إلى الديانة الإسلامية لا ينبغي أن يقتصر عليهم، بل يجب أن يشمل هذا الإجراء حاخامات الديانة اليهودية وقساوسة الديانة المسيحية الذين يبررون لأتباعهم ممارسة القتل، أينما وجدوا.
وللأسف، فربما كانت هجمات باريس الإرهابية- دون أدنى تلعثم-، فرصة أخرى ضائعة من أجل أن يتوافق الناس داخل هذه المجتمعات على نبذ وتجريم خطاب الكراهية أيا كان مصدره، ومهما كانت وجهته، وأن تتم إدانة القتل، داخل وخارج الحدود، دون البحث عن مسوغات، وأن يتم تصحيح قواعد المواطنة التي تحترم الخصوصيات الدينية والثقافية والاجتماعية لكل مكونات المجتمع، فلم تعد هذه المجتمعات أحادية بحيث يمكن أن تعمم عليها مفاهيم “علمانية” محددة، أو تهيمن صيغ اجتماعية بعينها، وهو احترام لا يخص المسلمين وحدهم، لكن يخص الأقليات الأخرى المسيحية داخل هذه المجتمعات، وما باسك وكتالان إسبانيا، وسكان سردينيا في فرنسا، وميلانو والشمال الإيطالي، إلا مجرد أمثلة على ما نقول. أما استمرار استهداف المنتسبين للديانة الإسلامية، والمهاجرين الذين ساهمت سياسات الحكومات الغربية إلى حد كبير في تهجيرهم من ديارهم، والأقليات العرقية أو المذهبية أو اللغوية الأوروبية من قبل أغلبية مواطني ومؤسسات هذا البلد أو ذاك، فهي تفقد هذه الحكومات والشعوب، كل مبررات تعاطف المكونات الأخرى، اللهم باستثناء التعاطف الإنساني العام، الذي يجمع كل من فيه ذرة رحمة من سكان هذه الأرض، مع ضحايا هذه الصراعات العبثية، لأنهم وحدهم، من يستحقون هذا التعاطف مع براءتهم الحقيقية، لا المفترضة.