الرئيسية / هكذا نراها / حرية الصحافة في المغرب..بين الطموحات والتحديات

حرية الصحافة في المغرب..بين الطموحات والتحديات

يدور هذه الأيام كلام كثير  حول الهوامش المتاحة للصحافة في المغرب، في ارتباطها بحرية التعبير..
الآراء كثيرة ومختلفة، باختلاف الأسماء والمواقع والمناصب، هناك من يشكو سوء الحال، مستدلا على ذلك بما يسميه ب” تهجمات بنكيران” في إحدى خرجاته الإعلامية الأخيرة، على الصحافة والصحافيين، واصفا إياهم بأقبح النعوت، وهناك من يرى العكس، استنادا إلى معطيات يراها بمثابة مكتسبات لابد من الحفاظ عليها، في أفق بلورتها ضمن المشروع الجديد لقانون الصحافة، الذي طال انتظار خروجه إلى النور.
بداية، لابد من التأكيد على أن حرية الصحافة مرادفة تماما للديمقراطية. فلا ممارسة سياسية حقيقية بدون توفرها. هذه بديهية سياسية لااختلاف حولها.
وأي تجربة ديمقراطية، لايمكن لها أن تستمر طويلا في غياب حرية الصحافة. إنها الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام الرأي العام لإيصال صوته، بدون رتوش ولا أصباغ، إلى من يهمهم الأمر من صناع القرار السياسي.
إن الزائر للبلد، يأخذ نظرة عن واقع حرية التعبير فيه، من خلال إطلاعه أولا، وقبل كل شيء،  على منابرها الإعلامية، صحافة مكتوبة واليكترونية، وأجهزة عمومية، من إذاعة وتلفزة وغيرهما، فهي التي تعكس الصورة للمساحات المسموح بها في إبداء الرأي الأخر، المخالف للتوجه الرسمي.
وفي البلدان ذات التجربة العريقة في مجال الديمقراطية، لامجال نهائيا للممنوعات والمحظورات، لامكان للأسلاك الشائكة والألغام المفخخة، التي تتصيد خطوات أي صاحب رأي  لايقيم وزنا لبعض الاعتبارات والخلفيات، أثناء تحليله للأوضاع بمشرط الجراح.
ورغم ذلك، فإن لحرية الصحافة، في كل زمان ومكان، أعداء كثيرون، بما في ذلك دول الغرب. إنهم ينظرون إليها بغير عين الرضى، فهي بالنسبة لهم، مصدر للفوضى والإزعاج، تهدد مصالحهم، وتشكل هاجسا بالنسبة لهم، مخافة الكشف عن فضائحهم.
فماذا عن واقع الممارسة الصحافية في المغرب، حتى لا نحلق  بعيدا عن سمائه؟ القضية شائكة مثل مسالك ومتاهات غابة استوائية، ولذلك يصعب استعراض تفاصيلها في حيز ضيق مثل هذا، فمازالت هناك تحديات، باعتراف الوزير الوصي على القطاع نفسه شخصيا، يتعين الإسراع بمواجهتها.
ومن بين الإشكاليات التي تطرح نفسها دائما، وبكل إلحاح، مايتعلق بتوزيع الإشهار، الذي تتحكم فيها ضوابط لاتخضع لمعايير المهنية او الشفافية، وهناك أصوات بحت من كثرة الصراخ دون جدوى.
أما الحصول عن المعلومة من طرف الصحافيين، لاستكمال تحقيقاتهم الميدانية، ف”الطريق” إليها “مسدود ..مسدود”، حسب التعبير “النزاري”، تحت ذرائع واهية لاتصمد أمام نور المواجهة، بينما المطلوب هو التعاطي من طرف المسؤولين بنوع من التعاون مع الباحثين عن الإحصائيات والمعطيات الرسمية.
إن حجب المعلومة لايفيد أبدا، بل بالعكس، انه يفسح المجال أحيانا للخلط، ولانتشار الشائعة، مادامت الحقيقة مغيبة، أو تسكن في الأرفف، في المكاتب الوزارية بعيدا عن عيون العاملين في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة.
والنتيجة، أن هناك ودا مفقودا بين الحكومة والصحافة، الأولى ترغب في غض الطرف عن أخطاء التسيير وأعطاب تدبير الشأن العام، والثانية تريد كشف المستور، لتقول للمخطيء أخطأت، ولتطالب بتصحيح مسار الاعوجاج.
وإذا كان ورش الإصلاحات المهيكلة التي تمس قطاع الصحافة والإعلام مفتوحا، وهذا مؤشر إيجابي، إلا أن الحصيلة لم يتم تقديمها بعد، بشكل نهائي  للمهنيين، علما بأن النقاش ما زال لم يحسم بعد في العديد من النقط الجوهرية، وخاصة منها ما يرتبط بالموقف من الاعتداء على الصحافيين، والتضييق عليهم، أثناء تأديتهم لمهامهم. فهذه ممارسات ظل الجسم الصحافي، يستنكرها، دون أن يلقى أذانا صاغية.
صحيح أنه جرى، مثلا، ضمن الإصلاحات المعلن عنها،” الاعتراف القانوني بالصحافة الإلكترونية، وتم التوقيع على عقد برنامج جديد تعددي وشفاف ومحايد لتأهيل المقاولة الصحفية. كما تم العمل على إصلاح قوانين الصحافة والنشر وفق منهجية تشاركية واسعة”، حسب ماتروج لذلك الوزارة الوصية على القطاع، ولكن النتائج لم  تلمس بعد، علما بأن المهنيين يشتكون من أن  الإقصاء طالهم، أثناء وضع هذه القوانين، بينما ترد الوزارة بأن ” المنهجية التشاركية”، كانت حاضرة في جميع المراحل.
وتأسيسا على ذلك، فإن الترسانة القانونية المؤطرة لقطاع الصحافة  جديرة بالمراجعة والتحيين لترقى إلى مستوى الدستور الجديد، “وهي جد متخلفة، “على اعتبار أنها تتضمن 24 فصلا يتضمن عقوبات سالبة للحرية”، وهذا التصريح ليس لرمز من رموز المعارضة، بل هو كلام منسوب للسيد مصطفى الخلفي، وزير الاتصال، الناطق الرسمي باسم الحكومة.
وعلاقة بموضوع حرية الصحافة، التي تعني المواجهة والجهر بقول الحق، تجدر الإشارة، هنا إلى رفض السلطات المغربية،مؤخرا، تسلم الملف القانوني للجمعية التي أسسها عدد من الصحافيين المغاربة، من أجل الدفاع عن حرية الرأي والصحافة،  اختاروا  لها اسم “الحرية الأن”، تحت رئاسة المعطي منجيب الباحث والحقوقي المعروف.
والقناعة ، التي لاشك في أنها محل إجماع الكل، هي أن حرية الصحافة مسؤولية، وترتبط أساسا بالأخلاق والضمير المهني، واعتماد المثل العليا، في المعالجة الصحافية، ولم تكن يوما مدعاة للفوضى والتسيب.
إن الصحافة ليست سلطة فوق جميع السلط، فهي أيضا لها محدداتها وضوابطها، التي لايمكن الاستغناء عنها، ولكنها دائما، في مسيس الحاجة إلى تنسم هواء  الحرية، لتتحول إلى شمس تشمل الجميع  بأشعتها، الكاشفة لنور الحقيقة.