الرئيسية / سلايد شو / “مناضلو حقوق الإنسان” عندنا… من يدفع ثمن “بطولاتهم”؟!!
مجلس-حقوق-الإنسان

“مناضلو حقوق الإنسان” عندنا… من يدفع ثمن “بطولاتهم”؟!!

في بلاد كبلادنا، لطالما احتفينا بالبطولة والبطولات، منذ قرون لا نعرف حسابها. هذه الثقافة العربية، وربما الإنسانية، نحاجج بأن القرآن قد جاء لتهذيبها، عندما اتخذ “الجماعة” وحدة لقياس الحق والخير في مختلف المجالات، دون أن يغفل مساهمة الفرد بالضرورة. لكن، وللأسف، وبعد أربعة عشر قرنا من عمر الإسلام، لا تزال الغلبة لمفهوم البطولة الفردية، ولا زال معظم مواطنينا مشدودون إلى مفاهيم البطل القائد الرمز، بدل الجماعة الفاعلة التي يتمايز أفرادها بالتقوى والمسارعة في الخيرات.

وفي بلاد كبلادنا، وعلى امتداد قرون تاريخنا، ابتلينا بأفراد مستبدّين، أمسكوا بزمام السلطة السياسية والاقتصادية بل والدينية، ضدا أيضا على روح القرآن الكريم ورسالة النبي العظيم، والتي جاءت لتكسر كل تمركز أو احتكار للمال أو السلطان أو الفقه بوسائل مختلفة، واحتجنا دائما، كمجتمعات، نعيش أحيانا لحظات قوة في مواجهة السلطان، وأحيانا أخرى، لحظات ضعف وانكسار مقابل هذه الدولة “المتغوّلة”، إلى شهداء يرفعون راية مجابهة الظلم، والذود عن الجماعة، وعن القيم الحقّة للرسالة السماوية المختطفة.

وما بين “القائد الرمز” و “المناضل الشهيد” اختلفت مقارباتنا حدّ الصراع، وإن كان النموذج الأول هو صاحب الغلبة لما يمتلكه من وسائل قوة مادية، نجحت في أحيان كثيرة في تشويه الضمير الجمعي للمواطنين، وأبقت هذا النموذج حيا ضد المصلحة الجماعية لهم.

ولو اختصرنا الرحلة وقفزنا إلى بلداننا خلال نصف القرن الأخير، وتحديدا منذ ما أسميناه “استقلالا” عن القوى الاستعمارية الغربية، لطالعتنا كتب أطفالنا المدرسية المليئة “بالرموز والقادة”، والفقيرة “بالمناضلين والشهداء” تبعا لضيق أو سعة صدر النظام بمن هم خارج دائرته. لكن، ومع موجة الثورات التي شهدتها أقطار وطننا العربي المختلفة، وتفاوتت حدتها تبعا لتفاوت حدة شراسة هذه النظم وقوتها، سادت أجواء من الفوضى اختلطت فيها المفاهيم، وتضاربت فيها المعايير، وأصبح لزاما علينا إمعان النظر في مدى جدية وموثوقية “مناضلينا” تحديدا، لاسيما وأن سوء قادة بلداننا والممسكين بزمام أمورنا هو أمر لا يخفى على أحد. لماذا؟ لأن الوسيلة البديهية الأولى التي تتبادر إلى ذهن كل من يقود “ثورة مضادة”، هي زرع العشرات من “المناضلين” الزائفين، وقادة الرأي المضللين وسط المواطنين، لخلق هذه الحالة من الفوضى والضبابية، وصولا إلى افتعال عشرات المعارك الجانبية الصغيرة تحت ذرائع شتى.

لقد ابتليت بلادنا خلال السنوات الخمس الماضية بآفة الانقسام استنادا إلى ما بيننا من تمايزات، كانت، وعلى امتداد تاريخنا، مصدر غنى لمجتمعاتنا، فتم وضع الشيعي في مواجهة السني، والمالكي أمام الإباضي، والعربي مقابل الأمازيغي أو الكردي، والمسلم في مواجهة المسيحي، والعلماني أمام السلفي…الخ، وقام بتأجيج جميع هذه النيران، “مناضلون” من وسط الناس، نخبة أو طليعة لا يهم، لكنهم بشكل من الأشكال أكاديميون وفقهاء ومفكرون وإعلاميون وناشطون جمعويون وحقوقيون ورجال أعمال… إلى آخر هذه السلسلة، التي تكاد تخلو من رجال سلطة مباشرين.

وفي المغرب، أكثر الدول العربية استقرارا وأصلبها أساسا، وبعد أن أظهر “استيراد” نموذج الحراك العربي عبر “20 فبراير” محدوديته، أمام تماسك السواد الأعظم من المواطنين الذين يعيشون، في معظمهم، حياة متصالحة بعيدا عن الاختيار القاتل بين “أصولية مفقرة، وحداثة مضيّعة” على حد تعبير المبدع برهان غليون، بدأنا نشهد معارك أو لنقل “زوابع” مفتعلة في “فنجان” الوطن الكبير، تزايدت حدتها في العام الأخير، قاسمها المشترك مرجعيتها الحقوقية “الكونية” و “مناضليها” المنتمون إلى طيف واحد، اختار أن يضع نفسه في مواجهة إجماع السواد الأعظم من المغاربة وتوافقاتهم، سواء تعلق الأمر بالتوافقات الاجتماعية أو الدينية أو الثقافية أو السياسية.

نتفهم طبعا أن تكون الكرامة الإنسانية كمعنى هي قيمة كونية، ومثلها سعي البشر إلى العدالة الاجتماعية ومناهضة الفساد والعيش في مجتمع يحترم حقوقهم وتمايزاتهم، لكن ما لا نتفهمه ولا نقبله، هو أن تكون هذه المعايير والممارسات عبارة عن قوالب مستنسخة مطلوب تعميمها على سكان الأرض بإرادة الأقوى الذي صاغها، دون اعتبار للتجارب الإنسانية المختلفة والمرجعيات الثقافية والدينية للناس. فلا يمكن أن نفرض على مجتمعات مسلمة، والمغرب واحد من أعرقها، تحت أي يافطة كونية، ومهما بلغ بنا الانفتاح على التفسيرات “العصرية” للقرآن، معارك مفتعلة مثل حقوق المثليين، والمساواة في الإرث، وحرية الإجهاض دون ضوابط، أو حق الإفطار العلني في رمضان، أو التعبير عن العلاقات الجنسية على شاشات السينما والتلفزيون، وغيرها من الزوابع المفتعلة والمترادفة. صحيح أننا نفهم أن الدعوة لاعتماد الدارجة لغة للتدريس هي دعوة صادرة عن نفس المعسكر، لكننا نقبل، تجاوزا، أنها وجهة نظر صادرة عن أناس “جهلة تربويا”. أما أن يعتبر أبناء هذا المعسكر أن قضية الوحدة الترابية هي “مسألة حقوقية”، تخضع للمعايير الكونية “لحق تقرير المصير”، ولا تقيم وزنا لمفهوم “البيعة” الثابت أنه ربط بين مختلف القبائل الصحراوية والعرش الملكي على امتداد تاريخ المغرب، كونه، أي البيعة مفهوم تراثي “غير حداثي” ولا يعتبر شكلا من أشكال السيادة الحديثة، فهذا عبث بمصائر العباد والبلاد، لا يمكن التساهل تجاهه، حتى لو غامرت سلطات البلاد، بزيادة عدد “المناضلين الشهداء” الطامعين في “اعتراف كوني ببطولاتهم”.

إن مرجعية المصلحة العليا للمواطنين، واحترام رأي الأغلبية، وعدم افتعال صدام مع ما رسخ في ذهن الناس من شرع وفقه، يحتاج بدوره للتنقيح بمقدار احتياجه للصيانة والدفاع عنه، هي التي تجعل كل هذه “البطولات” –على قلتها- مجرد صرخات في واد لا يحس بها المواطن العادي، ولا تعنيه أصلا، بل ونحاجج أن أصحاب هذه المعارك افتعلوها لسببين لا علاقة لمصلحة المواطنين بهما: الأول تبرير “بطولاتهم”، إذ لا بطولة بلا معارك وحروب، والثاني لفت أنظار “أمناء” هيكل المعايير الكونية من أجل الاعتراف بهذه البطولات، بعد أن تعذر الحصول على اعتراف مماثل من أبناء جلدتهم.

إن “بطولات” يدفع ثمنها المواطنون من استقرارهم وأمنهم، وتدفع ثمنها الأوطان من سمعتها وحصانتها تجاه الابتزاز، هي بطولات مزيفة هي للخزي أقرب، وعلى أصحابها بعد أن استطاعوا الحصول على اعتراف سدنة المعايير الحقوقية الكونية، أن لا يستمروا في محاولة الحصول على لقب “شهيد”، عبر تصعيد زوابعهم التي لا تغادر جدران فناجينهم ومقراتهم.

كلمة أخيرة، ورغم موقفنا الواضح في رفضه لهذه البطولات وأصحابها، استنادا لما نراه مصلحة جمعية للوطن والمواطنين، فلا نستطيع بأي حال تبرير أي افتئات على الحقوق الدستورية لهؤلاء “الأبطال”، أو شطط في التعامل معهم خارج ما ينظمه القانون. ولعل من الأولى أن تقتصر مواجهتهم على المؤمنين بجدوى خوض “المعارك المحلية” ضد الفقر والعزلة والبطالة والتهميش ومحاربة الفساد وغيرها من المعارك التي يحس بأثرها المواطنون، دون أن تكتب الخلود لمعظم شهدائها، فعزاؤهم أنهم اختاروا خوض معاركهم وسط أهلهم ولأجلهم، وهم ضعاف لا يملكون من الأوسمة ما يزينون به صدور هؤلاء المواطنين الشرفاء الحقيقيين، سوى احترامهم في الدنيا، والدعاء لهم بخير الجزاء في الآخرة.