الرئيسية / ثقافة وفن / التبراع شعر غزل من النساء الحسانيات بالرجال
12806980193

التبراع شعر غزل من النساء الحسانيات بالرجال

لنساء الاقاليم الجنوبيه في المغرب طقوس ابداعهن الخاصه التي ترتبط بمظاهر حياتهن اليوميه وبتجاربهن المتنوعه، وعيشهن في رحاب الصحراء الممتده التي تشكل مصدراً استلهامياً يستقين منه مواضيعهن وابداعاتهن.
من عمق هذا الابداع، يبرز «التبراع» وهو كلام شعري منظوم تبدعه النساء الحسانيات تغزلاً في الرجال، وذلك في اجواء خاصه من السريه والكتمان والحرص الشديد علي عدم التداول والانتشار نتيجه للحشمه والوقار والرقابه التي تمارسها الطقوس البدويه في الصحراء. غير ان «السريه» المحيطه بشعر «التبراع»، لم تمنع وصول بعض روائعه التي تداولها المغنون والمغنيات بشكل كبير ارّخ لشخصيات وحقب واحداث تمجد سيدات ورثن طقوس الشعر الفطري، ليستحق بذلك اصله اللغوي المتمثل في البراعه اي التفوق والجَمال. ويمتد هذا الشعر من جنوب المغرب حتي موريتانيا التي استطاعت فيها الباحثه عيشتو احمدو ان تترجم التبراع الي الفرنسيه اخيراً، وهذه سابقه في تاريخ الموروث الشفاهي الحساني.
ويتقاطع شعر التبراع كما يقول الباحث ابراهيم الحيسن «الي حد ما مع الشعر الشفوي لنساء البشتون الافغانيات المعروف باسم اللانداي landay، والكلمه تعني حرفياً «الوجيز» و «المقتضب». وهو نص شعري مكثف وقصير جداً، يجد هويته الجماليه في الايجاز والاقتضاب».
فقد برعت النساء الصحراويات في مبدا المساواه مع الرجال في نظم الشعر حيث ابدعن في قول الغزل اذ وجدن ضالتهن في رمزيه الشعر وغموضه ّللبوح بمشاعر الحب والعشق في مجتمع يُعاب فيه علي الفتاه التحديث عن العواطف تحت طائله الممنوع.
تتضارب الاراء والدراسات حول نشاه التبراع. وتعترف الباحثه الدكتوره العاليه ماء العينين بان الكتابه عن هذا الموضوع مغامره في ظل انعدام التواصل العربي علي مستوي الثقافه الشفويه، خصوصاً في جزئها المغاربي الذي لا يزال يعاني مشكله عدم شيوع لهجاته المحليه باعتبار ان الشعر الشفوي عموماً لا يكتمل بهاؤه الا بالسماع.
وتقول ان التبراع هو في اي حال ابداع شفوي نسائي محض، والتَّبْريع عباره عن بيت شعر من شطرين علي الوزن والقافيه نفسهما، واي كسر او خطا بسيط في الوزن يُسمع نشازاً في الالقاء وخصوصاً في الغناء. ولمجلس التبراع طقوسه الخاصه التي تمارسها مجموعه من الفتيات المجتمعات للسمر، فتبدا الواحده منهن الانشاد في موضوع معين، قد يعنيها وقد يكون عاماً، المهم ان يكون داخل اطار الغزل… فتطفق الواحده تلو الاخري في «التَّبَرُّعْ» ويستمر الامر علي شكل مساجله او محاوره تبراعيه.
وعاده ما تكون التبريعه الافتتاحيه بذكر الله علي عاده الطرب او الغناء الحساني عموماً، بعدها يبدا الدخول في صلب موضوع التبراع.
تقول احدي العاشقات وهي تشعر ببدايه حب جديد يطرق بابها:
وَانا فُؤَادي طارِي لُو شِي مَاهُو عَادي طاري لو : طرا عليه.
ومعني التبريعه، ان الفتاه تشعر بان فؤادها علي غير عادته فماذا طرا عليه يا تري؟
وتظهر بساطه الوزن ولكن علي رغم قصره فان بعض المتبرعات يحمّلن هذا البيت البسيط، صوراً غايه في الروعه والابداع، مثل قول احداهن:
اًلاَ يَكَدَرْ يَنْعافْ لَخْظَارْ فْعٍيمان الجَفافْ
لا يقدر احد علي ان يكره منظر الخضرة في سنوات الجفاف… فالخضره جميله في كل اوان فما بالك في ايام الجفاف، الي هنا يبدو المعنى عادياً يتحدث عن صوره طبيعيه. ولكن المعني الحقيقي الكامن وراء المعني الظاهر مختلف تماماً. و «لَخْظَارْ» اللهجة الحسانية لها معني اخر ايضاً، وهو السمره اي اللون الاسمر فيقال فلان اخظر او فلانه خظْرَ بمعني ان لونها اسمر… ومن هنا نفهم ان القائله تتغزل في رجل اسمر، في استعاره تامه للصوره الطبيعيه.
انه افصاح علني وانقلاب في الادوار، علي رغم ان الباحثين في الثقافه الصحراويه يرون ان هذا الابداع ليس عيباً، فهو تعبير عن العذريه في العلاقه بين المراه والرجل، وعن معاناه داخليه وانه نتاج طبيعي لوضعيه متميزه للمراه في بلد لا تزال الحياه البدويه بمعانيها ودلالتها النقيه وقيمها الاصيله تتجلي بابهي صورها.
والحقيقه ان هذا النوع من الغزل الجريء تقول الباحثه العاليه له مكانه لا باس بها في ديوان التبراع ويعززه كون قائله التبراع تبقي دائماً مجهوله، بحيث ينتشر بسرعه وتتناقله الالسن ولكن من دون معرفه مبدعاته. وهذا ما يعزز مساحه الحريه التي تتباري فيها الفتيات…
مثلا تقول احدي الفتيات وقد شاهدت من تحبه وفي فمه مَسْواكًا او سٍواكا علي عاده اهل الصحراء، فالتفتت الي صديقاتها قائله:
لُو كَنْتَ لْ هُوَ ما نَحْرَكَ لُو جاتْ القٌوَّه
والمعني: لو كنت انا، هو(اي المسواك) لما تحركت (من فمه) حتي ولو بقوه الجيش…
ويبقي الطابع الرومانسي هو الغالب اكثر علي هذا الشعر ويتوزع بين الشكوي واللوعه والسهر وهجران الحبيب والنسيان.
كَيْفَ انْساهُ ذلٍّ في الجَفْنٍ سُكْناهُ
كيف استطيع نسيان من يسكن اجفان عينيّ…
عَنْدُو تَبْسٍيمَه تُحْيي لْعِظَامْ الرَّميمَه
تقول المتبرعه ان ابتسامه حبيبها تحيي العظام وهي رميم…
والمعجم الديني حاضر بقوه في التبراع ولكن دائماً لخدمه الغرض الرئيسي: الغزل، ومن ذلك قول احداهن:
حُبِّي ذَا اطَّارِي ثَابَتْ رَواهْ البُخَاري