الرئيسية / ثقافة وفن / وفاة أوفى الدارسين لشعر وحياة أبي القاسم الشابي
unnamed.pngsz

وفاة أوفى الدارسين لشعر وحياة أبي القاسم الشابي

نعت الأوساط الثقافية، يوم السبت، الرابع من ابريل، الاديب والباحث، ابوالقاسم محمد كرو، عن عمر ناهز 91 عاما، اذ هو من مواليد فاتح يوليو عام 1921.
واشتهر الراحل في البلاد العربية، بمجموعة من الكتب وثق فيها لحياة شاعر تونس الاكبر فنيا، والقصير عمرا، ابو القاسم الشابي، اذ لا يظاهيه دارس في المجهود الفكري الذي بذله ” كرو ” من اجل تخليد ذكرى صاحب “اغاني الحياة” في وجدان القراء العرب وذاكرتهم الادبية. تقصى الباحث كل تفاصيل واثار ومخلفات الشابي، وظفها ووزعها على ما لا يقل عن خمسة كتب مفردة لحياته وابداعه،عدا العناية بتراث الشابي،جمعا وتحقيقا وتقديما وشرحا، كما كان وراء نشر اثاره في مجلدات بمناسبة ندوة كبرى عقدت في مدينة فاس اطلق عليها دورة ابي القاسم الشابي، رعتها مؤسسة سعود البابطين التي كان،كرو، عضوا في مجلس امنائها.
وابو القاسم كرو، يمثل طرازا فريدا بين المثقفين والباحثين في تونس، اذ على الرغم من انتمائه السياسي المبكر لحزب،البعث العربي الاشتراكي، لما كان طالبا في بغداد نهاية الاربعينيات،حيث اتيح له ان يتعرف على البعثيين الرواد امثال الشاعر السوري سليمان العيسى ؛ على الرغم من ذلك،فانه صرف الكثير من جهده، اكثر من النضال،في التاليف والبحث والتحقيق وكتابة سير وتراجم عدد من المفكرين العرب مشرقا ومغربا، بدءا من ابن خلدون،الى عبد الكريم غلاب،ومرورا بطه حسين.
ولم يفارقه الحس السياسي القومي طيلة مراحل حياته المديدة، غير ان تقدم العمر واعتلال الصحة،فرضا عليه نوعا من الاعتدال في المواقف والكف عن الخوض في غمار المعارك السياسية والايديولوجية،خاصة بعدما أصاب حزب البعث،ما اصابه من صراع داخلي بين الرفاق المنتسبين اليه، ومن حملات عدوانية لاستئصاله على يد زعيمة العالم الحر وعملائها الكارهين للحزب الناكرين لدوره الوطني على اثر غزو العراق.
ويمثل الاديب الراحل، نموذج البعثيين الاوائل المؤسسين امثال ميشل عفلق، وصلاح الدين البيطار وسليمان العيسى ومنيف الرزاز. جمعهم العمل من اجل نهضة الامة العربية والكفاح ضد الاستعمار. كلهم مثقفون لامعون ومجددون، راهنوا على توعية الشباب العربي واستنهاضه لينخرط في المعارك القومية النبيلة في سبيل التحرر الوطني،في المشرق والمغرب.
ومن خلال استعراض لمحطات في حياة الكاتب الذي خلف اكثر من ستين كتابا ومآت المقالات المبثوثة بين الصحف والمجلات،وما قارب الالف من الاحاديث والمساهمات الاذاعية ؛ من خلال كل ذلك نكتشف ان الطالب،ابو القاسم كرو، كان احد المبعوثين الذين اوفدهم “مكتب المغرب العربي بالقاهرة “بتدبير من المجاهدين الكبيرين محمد بن عبد الكريم الخطابي المغربي،والحبيب ثامر،التونسي،للدراسة في العراق.
ويجوز القول وبموضوعية ان الكاتب ظل مدينا لفضل المغاربيين عليه، فأخلص لانتمائه القومي من جهة وارتبط وجدانيا وفكريا بالمغرب العربي، و نشر في هذا الصدد كتابات عن اعلام ومفكرين ومصلحين من ليبيا والجزائر والمغرب.
ويبدو ان “كرو” اتصف في حياته بالصدق والصراحة وقول الحق، كما تراءى له، دون مجاملة، حتى ولو اضطر الى كسر بعض الطابوهات المقدسة؛ والمثال على ذلك،ما رواه في احد كتبه عن الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، الذي زامله في دار المعلمين العليا ببغداد الى جانب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة
ولا يتردد الراحل، كرو، في وصف صاحب “أباريق مهشمة ” بأسوأ النعوت، فهو أي البياتي، نرجسي حد الافراط، غيور من المواهب الشعرية الاخرى حتى ولو لم تنافسه وتزاحمه في الشهرة، ليس له ولاء سياسي ثابت بل متقلب ومرتد حسب الظروف.وينسب اليه انه رفض ان يقرأ شعرا في امسية بتونس مع الشاعر محمد مهدي الجواهري، بينما لم يمانع الاخير ان يتقاسم الميكروفون مع صاحب ديوان ” الموت في الحياة “.
وفي هذا السياق، اوردالباحث امثلة موثقة على ” اتهاماته ” للبياتي، دون ان يهمل النبش في الجانب الاخلاقي،فقد وصفه بالنفاق القومي،لا يعجبه في البلدان التي يحل بها ضيفا مدعوا مثل تونس، غير نسائها!!! كما يعيب عليه حبه للاغتراب الدائم وتكالب للحصول على اكثر من جنسية.
ورغم هذا النقد العنيف والكشف عن جوانب غامضة،في حياة عبد الوهاب البياتي، تقف وراء ذلك مشاحنات وحسابات ايديولوجية قديمة ؛ فان ” كرو ” يعترف بان البياتي، السليط اللسان، شاعر مجدد، لكنه يعارض بذات الوقت كثيرا من الدارسين العرب رأوا ان ” البياتي” احق بصفة المجدد والريادة في الشعر العربي الحديث.يميل ” كرو” الى تقاسم ذلك الدور الابداعي،بين العراقيين الثلاثة: بدر شاكر السياب، نازك الملائكة والبياتي، ويضيف اليهم القامة الكلاسيكية الشامخة “الجواهري “.
ويبدو ان، كرو، منصف الى حد كبير في هذا الحكم بل لا ينفرد به بين دارسي القصيدة العربية الحديثة.
سيتذكر “البعثيون” العرب، ابا القاسم، كواحد من زعمائهم التاريخيين، ومؤسسا لخلايا حزبهم في ارض الرافدين،قبل تونس، أما بنو قومه فسيحفظون اسمه كباحث صان ذكرى شاعرهم الكبير،الشابي، وباعتباره كذلك رائدا ساهم في تجديد البحث الادبي واشاعة الثقافة على اوسع نطاق،عبر وسائل الاتصال المتاحة في عصره.
وابو القاسم كرو، بهذا الاعتراف،حلقة منيرة في السلسلة الذهبية التي تضم معاصرين ومجايلين له رحل أغلبهم، امثال محمود المسعدي، ومحمد مزالي، ومحمد العروسي المطوي، رحمهم الله جميعا.