الرئيسية / ثقافة وفن / سعيد خالد الحسن يدعو إلى تجاوز فتنة الصراع بين النخب الفكرية والاحتكام إلى منظومة “المدركات الجَماعية”
11065342

سعيد خالد الحسن يدعو إلى تجاوز فتنة الصراع بين النخب الفكرية والاحتكام إلى منظومة “المدركات الجَماعية”

اقترح المفكر العربي سعيد خالد الحسن، رئيس فريق الدراسات السياسية بكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بجامعة محمد الخامس سلا، مفهوم “المُدركات الجماعية” ونسقها المعرفي أرضية للأجيال الصاعدة وإطاراً يتم عبره حسم فتنة الصراع بين نخبنا الفكرية المتأصلة (من الأصالة)، وتلك المستحدثة (من الحداثة)، داعيا في محاضرة بعنوان “المدركات الجماعية” نظمتها يوم الأربعاء 18 مارس 2015 كلية الآداب أكدال بالرباط، إلى تجديد هذه المدركات عبر تمثّلها (فكرياً) باستحضارها والنظر فيها في ضوء تمثل الواقع بظروفه وتحدياته الراهنة.

واعتبر الحسن أن القرن العشرين شهد إعمالاً لقيمة “التوكل” والممارسات المنكورة لها في الواقع المُعاش، وانتهى كما هو معروف إلى تأكيد إعمال التوكل تحت شعار “اعقل وتوكّل”، وإلى إنكار ممارسته تواكلاً، مُشيرا إلى أن استحضار نسق “المدركات الجماعية” إنما يستحضر واقعا “بشلخيا”، كما يُسميه الأستاذ سعيد الحسن، ويقصد به “واقعاً بشرياً تاريخيا بلدانياً”، بَعيدا عَن تَقْديم رُؤية أيديولوجية كما شرح ذلك في سياق ذات المحاضرة، التي أكد فيها على أن النسق المعرفي الذي تقوم به حياة الجماعة المجتمعية، يمكن معرفة ملامحه من التقاليد الحضارية للجماعة المجتمعية كما تتمثل في النماذج السلوكية السائدة فيها، قبل أن ينتقل إلى بيان أن المرجعية المجتمعية المعرفية سواء كانت صريحة أم كامنة هي المرتكز الأساس لهذا النسق المعرفي ولتجديده باعتباره المنطلق الذي تتشكل به المدركات الجماعية والذي حدده الدكتور سعيد الحسن، في ثلاث ركائز أساسية، تتمثل الأولى في وجهة الحركة المجتمعية، أي المثل التي تتحدد بها غايات حركة الجماعة من الماضي إلى مستقبل أما الثانية فتتحدد بالمثل التي تضبط إيقاع هذه الحركة بما يحدد نظام العلاقات داخل الجماعة (كأن يكون نظاما للحرية)، أما الثالثة فتجسدها الُمثل الموجِّهة التي تقيِّم وتقوِّم العلاقات بين الناس داخل الجماعة المجتمعية..

والحديث عن قيم العدالة والحرية والأخوة أو غيرها من القيم، كما يوضح الدكتور سعيد الحسن هو “في حقيقة الأمر حديث عن الغايات المجردة غير القابلة للإشباع، أي القيم والمثل التي تحكم حركة الجماعات المجتمعية من الماضي الى المستقبل غايةً وتواصلاً وتقييماً وتقويماً.

وأردف الدكتور سعيد الحسن، في معرض جوابه عن سؤال يتعلق بقصده بالجماعة المجتمعية، قائلا “إنني أتحدث هنا عن الأنسقة الاجتماعية التي يعرفها العُمران الحضري والذي جاء ليسم بميسمه نمط العمران في الألفية الأخيرة” باعتبارها الألفية التي شهدت اختصاص ما نسميه اليوم مجتمعات بالموطن الذي تستقر عليه باعتباره وطناً تختص به دون غيرها من الجماعات- وليس مجرد موطن عابر لها.. مُضيفا “إن المجتمعات تتكون نتيجة الاستقرار المديد المشترك للأجيال التي تتعايش معاً على أرض مشتركة، أي استقرار يُتيح لهذه الأجيال صياغة حياتها وفق إرادتها دون أي وصاية أو طغيان أو حكم من جماعات أخرى عبر قرون متصلة كفيلة بتبلور مدركاتها الجماعية بمرجعيتها وباستواء مثلها بوظائفها الغائية والحركية والتوجيهية”.

وضمن هذا المنظور ، يرى الحسن أنه يمكن مثلاً القول أن فلسطين عربية لأنها وببساطة –كما هو شأن المغرب ومصر والجزيرة العربية والهلال الخصيب- عندما أصبحت جزء من مجتمع كان هذا المجتمع هو المجتمع العربي.. ومن هنا، يتابع قائلا ” لا يستقيم القول بأن فلسطين عربية لأن الكنعانيين عرب هم اجداد عرب فلسطين، فالكنعانيون قبائل وليسوا مجتمعا استوت مدركاته الجماعية بالمعنى الذي حدده، بينما الانتماء إلى مجتمع (أو أمة مجتمعية) يعني الانتماء إلى جماعة جامعة تجمع مكوناتها الفرعية من القبائل والأنسقة الاجتماعية وذلك في صعيد واحد لُحمته “المدركات الجماعية”: مشيرا إلى المُلاحظة التي وصفها بـــ”النافذة” التي أبداها الأستاذ أحمد شحلان حين اعتبر أن هناك منظومة عمرانية “عروبية”- وليس عربية- امتدت تاريخيا على هذه المنطقة المسماة الوطن العربي منذ الفينيقيين.

وهي أي المنظومة التي تحدث عنها شحلان لم تكن منظومة جماعة مجتمعية وإنما منظومة جماعات قبلية تتجاور في مواطنها، وتشترك في أروماتها اللغوية وإنها كانت مهيئة لأن تتكون جماعة مجتمعية واحدة إن قُيِّض لها الحياة المشتركة الكريمة الممتدة امتداداً يبلور مُدركاتها الجماعية التي هي في واقع الأمر أساس المراكمة العمرانية والتي تنتقل بالمجتمعات البشرية من طور عمران البداوة الى طور العمران الحضري المميز للمجتمعات: وهو ما لم يُقيض له الحدوث بالنسبة للجماعات القبلية والكتل البشرية التي كانت تعيش على الأرض التي نشير إليها راهنا بالوطن العربي، إلا بمجيئ الإسلام الذي شهدت القرون الخمسة الأولى منه اكتمال تكوين ما نطلق عليه المجتمع العربي الممتد من خليج فارس الى محيط المغارب الأطلسي.

ومن جهتها، اعبرت يمينة القراط، نائبة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس، عن ضرورة الاستئناس بالعمل العلمي الجماعي والانخراط فيه، لأننا اصبحنا نواجه تحديات علمية ومعرفية لاتؤمن بالعمل الفردي المنعزل في البحث، بل تحث على الاشتغال ضمن جماعة عالمة تتقاسم نفس الأهداف، وفي اطار مشاريع وطنية أو دولية ممولة خاضعة لطلبات عروض تمكن الطالب من التموليل الكلي او الجزئي لمشروعه البحثي اثناء تحضير اطروحته وبعد الانتهاء منها”.

ومن جانبها، تحدثت كريمة بوعمري، منسقة بنية بحث وتكوين الدكتوراة، مشيرة إلى أن المركز يرى في الطالب قطب الرحى في الإنتاج العلمي، باعتباره فاعلاً ومتفاعلاً في العملية وليس مجرد منفعل، كما لفتت رئيسة المركز إلى أن التحديات العلمية الحالية تحتاج من الأسرة الأكاديمية أن تشتغل كجماعة مشيرة في ذات الوقت إلى أهمية تعلم اللغات الأجنبية لإغناء الرصيد المعرفي للطلبة.

ومن جهته، أكد رحال بوبريك، مدير مركز الدراسات الصحراوية على أن الجامعة شكلت منطلقاً لنهضة الأمم بمن فيها المستعمر الفرنسي، مشيرا إلى أن البحث الأكاديمي هو أول اختبار منهجي ومفاهيمي للطالب، وخصوصاً طلبة الدكتوراه، إذ أن البحث بات ضرورة وليس مجرد اختيار لكن على أساس أن يكون مؤسسا على مناهج علمية.

إلى ذلك، شارك عدد كبير من الأساتذة والطلبة الباحثين، الذين غص بهم مُدرج الشريف الإدريسي بفعالية في إغناء النقاش، حيث توجهوا بأسئلتهم للأستاذ المحاضر، الذي قدّم توضيحات نوعية حول هذا المَفهوم الجديد الذي نحته ضمن أطروحته والذي يعرضها كتابه الجديد بعنوان “مدركاتنا الجماعية”.