الرئيسية / ثقافة وفن / “باب كناستيل” بسيدي الهواري: منفذ تاريخي على أزمنة غابرة
qw-ma-chahid

“باب كناستيل” بسيدي الهواري: منفذ تاريخي على أزمنة غابرة

 “باب كناستيل” بحي سيدي الهواري العتيق بوهران،معلم أثري فريد من نوعه وعتيد،إذ لا يزال إلى اليوم يحكي تاريخا طويلا من تمازج وتلاقح الحضارات التي مرت بوهران والقطر الوطني،فهذه البوابة الشاهقة المصنفة وطنيا منذ سنة 1952،صارت اليوم تئن تحت وطأة الإهمال والنسيان،حيث ولدى زيارتنا إلى الموقع التاريخي صباح أمس،أكد لنا الكثير من السكان الذين التقينا بهم وهم يعبرون من منفذ “باب كناستيل”إلى حي سيدي الهواري، أنه بات اليوم يبكي أيامه الخوالي الملاح،إذ لم يستفد منذ مدة حسبهم من أية أشغال ترميم أو اعتبار؟،بل وأنه صار أحيانا مكانا لرمي الأكياس والقمامات المنزلية،إذ ولولا تدخل رجال البلدية وبعض الغيورين على المدينة على مثل هذه المرافق الأثرية السياحية الهامة لصارت البوابة هشيما تذروها الرياح،حيث تجدهم ينظفون المكان ويحمونه من كل أشكال الضياع والاندثار. وعبّر لنا أحد السكان الذين يقطن بحي سيدي الهواري،عن أسفه للحالة المزرية التي أضحى عليها اليوم “باب كناستيل” أو”باب البحر” كما يحلو للبعض تسميته بذلك،متسائلا عن سبب عدم اهتمام المعنيين بهذه المكتسبات التاريخية النفيسة،التي تمثل رصيدا حضاريا ومعرفيا مهما لمدينة عاشت وعايشت الكثير من الحقب الزمنية الطويلة؟،داعيا إلى ضرورة تثمين والحفاظ على هذه الأماكن الأثرية حتى تبقى للأجيال القادمة كشواهد ومعالم على مختلف العصور التي مرت بمختلف المدن الجزائرية العريقة… صحيح أن “باب كناستيل”مصنف وطنيا،لكن صراحة ونحن نستطلع هذا المرفق السياحي البارز،شعرنا كأنه لم ينل حقّه من الاهتمام والعناية،وقد تفاجأنا ونحن نستجوب بعض شباب الحي عن تاريخ المعلم فوجدناهم لا يعرفون لا تاريخ تشييده،ولا من بناه،ولماذا تم إقامته،وهل هناك أبواب أخرى غير تلك التي نحن بصدد الحديث عنها؟وهو الأمر الذي أثار استغرابنا واستفهامنا،وجعلنا نقتنع بأنه من بين أسباب ضياع واندثار جانب كبير من هذه المرافق السياحية،هو عدم علم الكثير من المواطنين الجزائريين بتاريخ هذه المعالم الثمينة،وكيف أن لكل واحد منها قصة طويلة وعريضة تلخص سبب إنشائها وتشييدها. طريقة تشييد تستحق الثناء …ونحن نقف عند “باب كناستيل” بدأنا نتأمل في طريقة تصميمه ونوعية الحجارة المستخدمة فيه،وكيف أنه استطاع مقاومة مختلف الكوارث والاضطرابات الجوية المتعاقبة على المدينة،وقتئذ طرحنا السؤال التالي في قرارة أنفسنا:”ما هذا التناقض المفضوح؟ مشاريع حالية أنفقت عليها ملايير الدينارات،وانهارت عن بكرة أبيها مباشرة بعد الزخّة الأولى من الغيث في بلادنا،ومعالم تاريخية شيّدت في عصور غابرة قاومت بأعجوبة كل أشكال الزلازل،الفياضانات ومختلف الانهيارات الصخرية؟” سؤال منطقي ومشروع،ولكن للأسف بات هذا المشكل العويص مرضا وفيروسا معديا وخطيرا،يستدعي منا معالجته قبل فوات الآوان،خصوصا وأن العدوى بدأت تصيب حتى هذه المرافق الأثرية والتاريخية البارزة،وبدأ الإهمال واللامبالاة لا يفرقان بين مشروع هيكلي جديد ولا معلم سياحي مرّ على تشييده عدة قرون؟وهنا مربط الفرس ومفترق الطرق،وينبغي علينا من الآن العمل على تثمين مثل هذه الرموز الحضارية التي تمثل سجلا لا ينضب من المحطات والوقائع الهامة، والتي من بينها “بوابة كناستيل”الشاهقة التي تمثل بالفعل منفذا تاريخيا على أزمنة غابرة. محطات هامة تجدر الإشارة إلى أن تاريخ تشييد باب ‘كناستيل’ المصنف وطنيا في سنة 1952 يعود إلى عهد المرينيين،وفي سنة 1734 قام الإسبان،إبان احتلالهم لوهران،بتدعيم البوابة وتحصينها، بينما شهدت الحقبة الاستدمارية الفرنسية بناء عمارتين فوق المعلم لم تعودا صالحتين للسكن جراء تدهورهما وتصنيفهما من قبل المصالح المعنية كبنايات مهددة بالانهيار. كما تعتبر البوابة من أقدم الأبواب الأربعة التي تشتهر بها مدينة وهران والواقعة بحي سيدي الهواري.. وهي ‘باب السانطون’ و’باب إسبانيا’ و’باب كرافنسراي’،فضلا عن ‘باب كناستيل’ حيث كان هذا الأخير في القديم يتقدمه جسر كبير يؤدي إلى معبر ‘كناستيل’ الذي أصبح يسمى في الوقت الراهن شارع بن عمارة بودخيل،وحسب بعض المختصين في علم الآثار فقد أكدوا أنه تحت هذه البوابة مياه أهم المنابع التي تم ردمها بالأتربة في سنة 1848 لإنجاز شارع “خديم مصطفى” (ستالينغراد سابقا).