الرئيسية / ثقافة وفن / الخيول لا تموت تحت السقف’ رؤية إبداعية جديدة في الأدب العربي
livre wsat bouzfour

الخيول لا تموت تحت السقف’ رؤية إبداعية جديدة في الأدب العربي

 هذا الحوار، الذي اعتبره النقاد من أهم الحوارات في تاريخ الأدب العربي، مكن من التعرف على بوزفور الإنسان المتواضع، الذي ينأى بالحديث عن نفسه وعن تجربته في الكتابة. استطاع وساط من خلاله أن يقدم لنا “جوانب مختلفة من طفولته وشبابه وعن رؤيته للإبداع، وعن تجربته القصصية الطويلة والمتفردة، وكذلك عن علاقته بالدار البيضاء، وبالبادية، وعن ولعه بالشعر القديم”، وأن يقدم كاتبا حوّل الطفولة والحياة، ولو في قمة قسوتها، إلى فن وإبداع. لم تكن الفكرة مهمة سهلة على الدكتور عبد القادر وساط، وهو يلح على صديقه بخوض هذه التجربة الفريدة، لكنه لم ييأس من دفع صديقه إلى البوح، فيقول وساط إن بوزفور “لم يقبل الفكرة إلا بعد طول تردد. فالرجل معروف بتواضعه الشديد الذي يمنعه من الحديث عن نفسه…” لكنه بعد إلحاح، استطاع أن يورطه هذا الورطة الجميلة في الحكي والاعتراف. يقول وساط في تقديمه للحوار إن “البحث المتواصل عن أسرار عملية الكتابة هو إحدى الخاصيات الكبرى، في نظري، لقصص هذا الكاتب المغربي المتميز، منذ مجموعته الأولى “النظر في الوجه العزيز”. وقد كان هذا من بين الأسباب التي جعلتني أقترح عليه فكرة هذا الحوار”. وعلى مدى 45 سؤالا، توزعت في 7 فصول، يبحر بنا أبو سلمى في عالم بوزفور الزاخر بالعطاء والتجديد. سار بنا في دروب طفولته، وارتباطه بتلك الأرض، وبالأهل الذين طبع كل واحد منهم حياة القاص، وترك بصمة ما في وجدانه، حتى شكلوا شخصيات وأبطال مجمل قصصه. أما العنوان، فاستلهم من صورة ذلك الحصان “الأدهم”، الذي كان له كبير الأثر في حياة الكاتب، وعلى كتاباته، فجاء تكريما ووفاء لذكرى “ذلك الحصان الأفلاطوني” الذي أبى أن يقضي نحبه إلا شامخا أصيلا، لأنه من طينة الخيول التي “لا تموت تحت السقف”. يقول بوزفور، وهو يتذكر حصان أبيه الأدهم وهو يموت، “كنا جميعا نتحلق حوله، ونسهر معه حتى الفجر. وأنا أنظر إليه بحب واحترام، وأتلمسه وأبكي، ودموعي تسقط على جلده الأحمر الأسود. كان طويلا، عالي الرأس، نبيلا كأنه لورد إنجليزي. كان أجمل أعمامي ومات. عجبا… حتى الخيول تموت، نعم… حتى الخيول تموت”، ليصبح هذا الحصان وراء كل الأحصنة التي كتب عنها. كانت أسئلة عبد القادر وساط عميقة فجاءت الأجوبة أعمق، تتصف بقوة السرد لحكايات واقعية، فنكتشف عالم بوزفور، كما نكتشف السريالية التي متع بها بعض قصصه، وكأننا أمام لوحات لسلفادور دالي يرسم الخيال الغريب، لكن بألف معنى. يسأل وساط عن “الطفولة والكتابة والحلم”، فيسرد بوزفور ذكرياته وهو طفل تستهويه الأشياء الصغيرة، وتبهره دهشة بسيطة حلوة أمام الوجود وأمام الحياة. ثم وهو يكتب الحلم والواقع، ويتحدث عن علاقة الكتابة بالزمن، وعن أهمية الحلم في كتاباته القصصية. لكن وأنت تنصهر في الحوار، تكتشف أنها ليست القصة الأولى لبوزفور، بل كانت قبلها، منذ زمن بعيد، “غرام في الريف” التي كتبها وهو ما زال في السنة الثانية ثانوي ب “القرويين” بفاس، هناك حيث أرادت له الوالدة أن يتلقى المعرفة. المعرفة التي كانت، بالنسبة له، دائما مصدر شقاء وألم جراء حب قاس من الأم لم يكن يدرك، آنذاك، أن لولاه لما أصبح كاتبا. هذا دون إغفال “العين والزلزال”، و”الألوان تلعب الورق”، و”الزرافة المشتعلة”، وغيرها من القصص القصيرة، التي نشرت في مجلات أو جرائد متفرقة آنذاك، ليظل بوزفور وفيا للقصة القصيرة، (فهو عرابها وشيخها)، رغم ما وفره الأدب من أجناس أخرى كان حتما سيبدع فيها، لكنه يعتبر نفسه يكتب في القصة كل الأجناس الأخرى، يكتب الرواية والمسرح، والسيناريو “فالقصة (بالنسبة له) عرضها السموات والأرض، ويستطيع الكاتب أن يحلق في فضائها سنوات بعمر نوح دون أن يصل إلى تخومها”. لم يخرج بوزفور من الطفولة بعد، حين التحق ب “القرويين” فكانت مرحلة نضج مبكرة أسفرت عن نشأة كاتب ومناضل سياسي في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، هي الفترة التي أثثت شبابه، وهي الفترة التي تعلم منها الأدب والسياسة وحب الوطن والشعب، كما الألم، قبل أن يتوج كل هذا بولوجه كلية الآداب سنة 1966، وفيها عاش تجربة السجن في العشرينيات من عمره التي جعلته أكثر نضجا، وصقل فيها شخصيته الثقافية والسياسية، قبل أن يحسم لصالح الكتابة والأدب لا السياسة. في الحوار، نتعرف على مكانة الأصدقاء في حياة بوزفور، منهم الكتاب والأساتذة، وقراء “رائعون” لا يبخلون عليه بالنقد، لكن أهمهم أولئك الذين جمعته بهم تجربة الاعتقال، التي جعلته ينحاز نهائيا “إلى الفقراء والمظلومين … وإلى الذين تضطهدهم السلطة والمجتمع معا… إلى الأطفال والنساء والسود والعاهرات والمجانين والسكارى والخارجين عن الإجماع…” ويذكر وساط بوزفور بمدى تأثره بأسماء أدبية عديدة، تشيكوف وكافكا وهيمنغواي، ويوسف ادريس ومحمد خضير ومحمد زفزاف…لكن “دون أن يرث عنهم جينات الواقعية”، بل ظل يكتب نصوصا “عجائبية” مفتوحة على الحلم، معتبرا أنه لا يتنكر لهم بل يتمرد كما الابن على الأب “ليمارس حقه الطبيعي في بناء شخصيته المستقلة”. يقول بوزفور “كتاباتي، مع ذلك، لا تقطع الصلة بالواقعية والواقعيين. وقد يجد النقاد فيها، أو في بعض نصوصها، شيئا من الرفض للواقع أو الحلم بتغييره، أو سوداوية النظر إليه، وشيئا من الحلم بعالم أفضل، وقليلا من السخرية، لا أستبعد أن يكون أثرا من آثار أساتذتي الواقعيين”. استطاع المحاور أبو سلمى أن يستدرج القاص للحديث عن تجربة الحب وتأثيرها في حياته وكتاباته، فينصاع المبدع للحديث عن حبه الأول الذي ظل منبع احترامه وتقديره واعتزازه بالمرأة بشكل عام. ويكشف لنا وساط أن لبوزفور خاصية استعمال كلمات من المعاجم القديمة، هي استعمالات تستند إلى معرفته العميقة بالمعجم القرآني وبالشعر العربي القديم، وتضفي على كتاباته “صبغة خاصة لا نجدها عند باقي كتاب القصة المغاربة”، ليجيب القاص إنه قد يعشق كلمة بعينها فلا يتردد في توظيفها حتى يرسم ما يحس به، ويعترف أن للقرآن والشعر أثر عليه يزداد ويتضاعف ربما مع تقدمه في السن. كما لا يجد تفسيرا للجوئه إلى توظيف الشعر في قصصه سوى أنها عادة تأصلت منذ كتابة أول قصة نشرها بجريدة العلم سنة 1971، تحت عنوان “ويسألونك عن القتل”. ولعل أكثر ما يجسد ارتباط القاص بالشعر الجاهلي هو إصداره، قبل ربع قرن، لمؤلفه “تأبط شعرا”، كتحية لشاعر صعلوك شكل، بالنسبة إليه، أحد المصادر الأساسية للغة العربية. نتعرف أيضا على بوزفور المتمرد والثائر على “الذوق السليم” و”الوضع السوي”، في رغبة للخروج عن المألوف، ليقدم للقارئ جانبا آخرا من جوانب الإبداع لديه، وهي استخدامه لتيمة “الجنون”، وتقديم عدد من أبطال قصصه كمجانين، فيرد بوزفور أن الكاتب يجد في الجنون مجالا لخلق الغرابة والدهشة وبعدها متعة القراءة، إيمانا منه أن في كل عاقل شيء من الجنون. لكن بوزفور، وفي الظروف التي عاشها ويعيش فيها، لا يمكن أن يكتب إلا الشخصيات التي كتبها وعرفها، لا يمكن أن يكتب إلا عن شخصيات تناضل وتحلم وتأمل وتسعى إلى مصيرها بنبل كما سعت وسارت عليه قصصه في دروب الحياة الأدبية. ويبقى الحوار فرصة للتعرف على الوجه الآخر لبوزفور، ليس الكاتب والقاص والأستاذ فقط، بل بوزفور “الإنسان” الذي تستهويه الأشياء الصغيرة، ويلهمه الواقع اليومي من حياة البسطاء. الإنسان الذي لا يحتاج إلى عزلة كبيرة ليقدم أعمالا كبيرة. الإنسان الذي لا يهتم إلا بالكتابة، والكتابة فقط، لا يهمه لا النشر ولا التوزيع ولا الترجمة ولا النقد، ليكون ويظل “مجرد قارئ يتسلى بالكتابة”. من أقوال أحمد بوزفور – “أنا أولد كل يوم، إذا لم أذق جمالا مت” – “الألم بدون معرفة مجرد وجع.. نحتاج إلى ربط أوجاعنا بأوجاع الناس، وموتنا بالمصير الإنساني لكي نرفع الوجع إلى مستوى الالم”. – “أنا مغرم بالظل، وأعتبره صندوقا سحريا خزنت فيها الإنسانية كثيرا من أسرارها”. – “قد لا يعطيك الصديق شيئا، ولكنه يستمع إليك ويفكر معك ويقترح عليك… وكل ذلك يجعل ذهنك يتحرك، ونفسك تهدأ، وطعم الحياة يستساغ”. – “يحلو لي أن أكون نجارا …نجارا غريبا يؤثث عقول القراء، وقبل أن يقدم لهم الأثاث يشعل فيه النار”. – “الحلم جزء من الحياة، الجزء المرن. شحمها وإدامها. بدونه تنكسر وتتفتت وتتلاشى… لولا الحلو لما كانت الكتابة”. أحمد بوزفور قاص وكاتب يعتبر من أبرز رواد القصة القصيرة الحديثة في المغرب. ازداد بقبيلة البرانس القريبة من مدينة تازة. تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب القرآنية، ثم التحق بالقرويين بفاس ليتابع دراسته الابتدائية والثانوية. حصل على شهادة الباكلوريا سنة 1966، تعرض في نفس الفترة إلى الاعتقال بسبب نشاطه السياسي. حصل على الإجازة في الأدب العربي. وفي سنة 1972 نال شهادة استكمال الدروس في الأدب المغربي الحديث. سنة 1977، عمل أستاذا للشعر العربي الجاهلي، بكلية الآداب بالرباط، وبعدها أستاذا للأدب العربي في كلية الآداب عين الشق في الدار البيضاء. سنة 1989 نال شهادة دبلوم الدراسات العليا عن رسالته “تأبط شعرا. في سنة 2002، رفض جائزة المغرب للكتاب في صنف الإبداع، التي قدمتها له وزارة الثقافة المغربية، احتجاجا على ما وصفه بتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في المغرب. من أعماله : “الغابر الظاهر” (مجموعة قصصية 1987)، “تأبط شعرا”، “النظر في الوجه العزيز” (مجموعة قصصية 1983)، “ديوان السندباد”، “الزرافة المشتعلة” (قراءات في القصة المغربية الحديثة)، “صياد النعام” (مجموعة قصصية 1993)، “نافذة على الداخل”… عبد القادر وساط – من مواليد 9 ماي 1958 بقرية لمْزينْدة، بضاحية اليوسفية. – درسَ بالكتّاب، وحفظ القرآن وهو في الثانية عشرة من العمر. – حصل على الباكالوريا علوم تجريبية سنة 1975 . – تابع دراسته الطبية بالدار البيضاء، فحصل على الدكتوراة في الطب العام سنة 1984. قضى فترة الخدمة العسكرية، كطبيب، بالأقاليم الجنوبية المسترجعة، ثم عاد ليستأنف دراسته الطبية العليا في مجال الطب النفسي والعقلي. – حصل على دبلوم التخصص في الطب النفسي والعقلي سنة 1991. – خضع لفترة تكوينية في مجال الطب العقلي بمدينة ليون الفرنسية. – شارك في العديد من مؤتمرات الطب النفسي العالمية. – عمل بالموازاة مع ذلك في ميدان الصحافة (صحافة الاتحاد الاشتراكي) حيث صار يُعرف بكنية ” أبي سلمى “. كان أول من أعدّ شبكات الكلمات المسهمة باللغة العربية. كما كان يعد صفحة طبية أسبوعية، ويشرف في الوقت نفسه على صفحة الأدباء الشباب. – له ترجمات عديدة لكبار الشعراء الفرنسيين والناطقين بالفرنسية (هنري ميشو، ألان بوسكيه، جورج شحاذة، أبولينير…) وهي ترجمات منشورة في الصحف والمجلات العربية. – قام بتأليف أول موسوعة طبية باللغة العربية من عدة مجلدات. – أشرف على إخراج موسوعة “المعارف الحديثة” في عشرين مجلدا، وموسوعة “الصفوة” في ثمانية مجلدات، وموسوعة “عكاظ للشباب”، في عشرة مجلدات. – ينتمي لجيل شعراء الثمانينيات، وله قيد الطبع ديوان بعنوان “طبول من حجر”، سيصدر، قريبا، عن منشورات بيت الشعر بالمغرب. قال عنه الراحل أحمد المجاطي “أنا مستعد لأن أنتظر قصيدة لعبد القادر وساط عاما أو عامين، شرط أن تكون من مستوى ما قرأت له من قبل من قصائد”.