الرئيسية / ثقافة وفن / أرفود المغربية أكبر متحف مفتوح في العالم لتحف ما قبل التاريخ
ديناصور

أرفود المغربية أكبر متحف مفتوح في العالم لتحف ما قبل التاريخ

على طول الطريق الذي يعبر مدينة أرفود، في قلب وادي زيز حيث إحدى أكبر واحات النخيل المغربية، تطالع الزائر متحجرات حيوانات تعود الى قرون ما قبل التاريخ، حسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية.

ويعتبر علماء الجيولوجيا والباحثون في الآثار مدينة أرفود الصحراوية في جنوب شرق المغرب، اكبر متحف مفتوح للمستحاثات (المتحجرات) في العالم، بفضل تنوع وقدم حيواناتها البحرية والبرية المنقرضة والمتحجرة منذ ملايين السنين، التي يحولها حرفيو المنطقة يوميا الى تحف فنية في مقابل أثمان رمزية لكسب قوتهم اليومي.

عند مدخل هذه المدينة الهادئة، ينتصب مجسم ضخم لأمونية (صدفة متحجرة)، عند باب معرض بني على الطريقة التقليدية المحلية.

وراء جدرانه، تدب الحركة في مشغل خلفي يغزوه غبار متطاير نتيجة عمليات القطع والنحت والحك والتلميع المتواصلة.

بابتسامة عريضة يستقبل محمد مدني، الذي يعمل مرشدا سياحيا الزوار شارحا لهم بخمس لغات كيف تحولت قريته من مكان مغمور بمياه البحر، الى واحة تنتج أقدم التحف الفنية من المستحاثات البحرية المتحجرة.

ويوضح مدني، الذي لم يدخل مدرسة للغات، بفرنسيته البسيطة “نأتي بالصخور التي تحوي هذه الحيوانات من محاجر على بعد 15 أو 30 كيلومترا من هنا، وعندما تصل الكتل الصخرية الى المشغل يقوم العمال بتقطيعها أجزاء، ليقوم الحرفيون بعدها بصنع نوافير أو مغاسل او طاولات”.

ويعمل عدد كبير من رجال المنطقة داخل محترفات لنحت هذه الصخور وصقلها.

ويقول عبد المجيد مسعودي الذي يشرف على تعاونية في هذا المجال “70 في المئة من سكان المنطقة يعتمدون على هذه الصناعة”.

ويوضح “هذا النشاط يدوم على فترات طويلة خلال السنة، ويساعد على جلب السياح في مراحل تتوزع بين تشرين الاول/اكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، واذار/مارس ونيسان/أبريل”.

وتعتبر أرفود عاصمة للتمور المغربية وتحتضن كل سنة الموسم الدولي لهذه الثمرة. الا ان عبد المجيد يرى انها “موسمية”.

ويوضح إبراهيم المزداد احد ابناء المنطقة الذي يمارس هذه الحرفة منذ العام 1982، من دون أن يتعلم فن النحت ان هذا العمل “يتطلب التأني والصبر وليس السرعة، حتى لا يتم إفساد القطعة، ومثل هذه الصخرة قد تتطلب حتى 20 يوما من العمل”.

بمحاذاة المشغل المفتوح على الهواء الطلق، تضم التعاونية معرضا لكل منحوتات العمال، من منافض السجائر والغسالات والطاولات بنتوءات حيوانية طبيعية مصقولة وملمعة، لا يقدر ثمنها الحقيقي سوى العارفين بتاريخ المنطقة.

وقد حولت هذه المدينة الصغيرة الى ما يشبه استوديو سينمائي يحكي تاريخ منطقة صحراوية كان يغمرها البحر.

وإضافة الى المشغل والمعرض تحوي العشرات من الابنية في ارفود فضاءات خاصة هي بمثابة “قسم للكنوز” يضم أقدم وأندر التحف التي عثر عليها.

وداخل هذا القسم يحتفظ عبد السلام القاسمي، المطلع على تاريخ أرفود الجيولوجي، بعشرات القطع والتحف النادرة التي لا يقدر بعضها بثمن.

ويؤكد القاسمي ان القطع النادرة في مجموعته الخاصة “ليست للبيع، رغم أن الكثيرين اقترحوا أثمنة وصلت الى 200 ألف درهم (18 ألف يورو)، لأن هذه التحف إرث للأجيال القادمة” ومن بينها هياكل تماسيح وسلاحف وديناصورات (65 مليون سنة)، وصفائح صخرية ضخمة لمخلوقات بحرية متحجرة.

وهو يوضح ان جنوب شرق المغرب الذي كان البحر يغمره يحوي “حوالى 500 نوع من المستحاثات، تنتشر على مساحة تقارب مئة كيلومتر مربع”، فيما تضم أرفود “أربعة أنواع من هذه المستحاثات، هي الأورطوسير، والآمونيت (الصدفيات البحرية) (350 مليون سنة)، والكرينوويد (410 م.س)، والتريلوبيت (ثلاثية الفصوص) التي تعد أقدم كائنات مستحاثة بعمر 500 مليون سنة”.

لكن فرط الاستغلال وكثرة المعارض والمحترفات والأسعار الزهيدة التي تباع بها هذه التحف، جعلت هذا التراث “مهددا بالانقراض” على ما يؤكد لحسن كبيري، الأستاذ في قسم الجيولوجيا في جامعة مدينة الراشدية (60 كيلومترا عن أرفود).

ويقول هذا الأستاذ الخبير في جيولوجيا المنطقة “أرفود معروفة على الصعيد العالمي، لكن المشكلة هي في تثمين هذه المنطقة من الناحية العلمية” متسائلا “لماذا ليس لدينا لحد الآن متحف علمي ودولي في هذه المنطقة؟”

ويضيف “يجب تنظيم استغلال المستحاثات بقانون، مع التفكير في أهل المنطقة الذين لا يستفيدون الا من النزر القليل لسد قوت عيشهم اليومي”.

وفي المغرب قانون يحرم التصدير غير الشرعي لممتلكاته الثقافية، إلا أن مستحاثات وحفريات نادرة تعرض للبيع علنا في البازارات المنتشرة في منطقة تافيلات (جنوب شرق) او حتى في مدن سياحية أكبر مثل مراكش.

وصنفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) سنة 2000، منطقة تافيلات حيث تقع مدينة أرفود، ضمن الشبكة العالمية لمحميات المحيط الحيوي، نظرا لتنوعها البيئي والجيولوجي والثقافي البشري، ما يعني أن كل ما تتضمنه هذه المنطقة يجب حمايته.

لكن غالبية المستحاثات ذات القيمة العلمية والمادية العالية، التي عثر عليها في أرفود ونواحيها، هربت وبيعت لجامعي تحف أو المتاحف، أو نقلها باحثون جيولوجيون وعلماء اثار الى متاحف جامعاتهم في اوروبا واميركا.

وازاء هذا النزيف الذي لا تتوافر احصائيات بشأنه، يدعو لحسن كبيري السلطات المغربية الى إنشاء “محميات جيولوجية” مع محاولة استعادة ما تم تهريبه، وتشديد الخناق على المتاجرين فيه.