الرئيسية / ثقافة وفن / الصديقي:أفضل أن أموت وسط أسرتي وليس فوق الخشبة
المرحوم الطيب الصديقي في لحظة تفكير وتأمل..
المرحوم الطيب الصديقي في لحظة تفكير وتأمل..

الصديقي:أفضل أن أموت وسط أسرتي وليس فوق الخشبة

من أين يبدأ الحديث مع الطيب الصديقي، هل من المسرح وهو رائده؟ أم من الرسم وهو ممارسه؟ أم من الإخراج وهو نجمه؟

لقد سألته في البداية قبل أن يستوي في جلسته في بيته :

ــ هل تعتبر نفسك فنانا شاملا؟

أجاب وهو يطلب إعداد “براد” من الشاي:

*الكمال لله وحده، إن الجمع بين كل هذه الفنون جاء عبر سنوات من المحاولات والتجارب في رحلة البحث عن الذات، تمثيلا وتشكيلا وديكورا ولباسا وإضاءة..

إن المسرح هو الذي يجمع بين كل هذه الألوان الفنية، وهو “أب الفنون”، وأنا أقول إنه ملتقى الطرق بالنسبة لكل الفنون: موسيقى ورقص ونحت وتجسيد، وغير ذلك من العناصر التعبيرية.

وبالإضافة إلى التشخيص والرسم، كان لابد لي أيضا من التعامل مع الشاشتين الصغيرة والفضية، إدراكا مني بأن رجل المسرح يجب أن يمارس التلفزيون والسينما، وليس في الأمر أية غرابة..

غيرة:

ــ النقد الفني هل أنصفك أم ظلمك؟    

* لاأعير اي اهتمام للنقد، ولا أعطيه اوسع مساحة من اهتمامي، أكبر من حجمه الحقيقي، خاصة إذا كان يتصف بالتهجم المجاني، ولا أرد على أي رأي مهما كانت طبيعته، رغم انه يصبح سبا وشتما.

والنقد في المغرب فيه الغث والسمين، المتطفل والمتمكن.

ثمة أقلام، سامحها الله، تنتقد المسرح دون أن تكون لها علاقة بالمسرح..

وثمة أسماء أكن لها تقديرا خاصا، مثل محمد برادة، وعبد الجبار السحيمي، وادريس الخوري، الذين يملكون رصيدا تاريخيا كبيرا من المشاهدة المسرحية.

إن أصحاب هذه الأسماء لهم غيرة على المسرح، انطلاقا من الإحساس بالمسؤولية نحوه، والرغبة في تطويره، وهذه هي وظيفة النقد الحقيقي والبناء.

الصديقي5

هذيان:

ــ بعض معارضيك أو منتقديك، يقولون إن مسرحك يكاد يكون بدون قضية، فهو مجرد مجال للفرجة فقط؟

*قضيتي الأساسية هي المسرح نفسه. لن ادعي أن عملي المسرحي تربوي مثلا، لسبب بسيط جدا، هو أننا لسنا في مدرسة.

أنا ادعو إلى “مسرح اليقظة”، أي الترفيه عن الناس، وفي نفس الوقت تعميق الوعي لديهم، بدون افتراءات أو ادعاءات.

أما ما يسمى بالمسرح السياسي، فهو مجرد مسرح للتلويح بالشعارات، مثلا يأتي أحدهم رافعا العلم الفلسطيني ويضعه فوق الخشبة، ثم يبدأ في الهذيان…

إذا كانت هذه هي فلسطين، فأنا لست متفقا.

مهمتي أنا وغيري، هي أن ننجح في وضع اللبنات التي تشكل أسس مسرح مستقبلي، يضيء العقول، ويخاطب الفكر، ويجمع بين التوعية والمتعة.”

……………………………………………………………………………..

هدم:

كان الطيب الصديقي ميرا للمسرح البلدي في الدار البيضاء طيلة 13 سنة، وله فوق خشبته وفي كواليسه ذكريات مشبعة بالشجن والحنين.

وحين هوت معاول الهدم على هذه البناية المسرحية أو ” الذاكرة الجماعية”، كتب يومئذ وهو يتابع المشهد من مقهى “لاكوميدي”، المقابل للمسرح، في مجلة ” الأسبوع المغربي”:” إن البكاء على الأطلال لم يكن قط من مواهبي”.

………………………………………………………………………………..

هذا الحدث أوحى له بتأليف مسرحية بعنوان:” حفل عشاء ساهر”، صدرت في كتاب،سألته عنها، فكان رده:

*إن الفكرة الرئيسية للمسرحية تدور حول المخرج الذي يقرر ، بعد العرض الأخير الذي يسبق يوم الهدم، أن يقيم مأدبة عشاء على شرف عدد من المؤلفين المسرحيين والممثلين، الذين يسكنون ذاكرة هذا المكان منذ زمان طويل..

هكذا تتوالى الحوارات بين أطياف الشخوص المسرحية، وتتناثر الأقنعة وقطع الديكور، وتتداعى الذكريات حول المائدة، قبل أن تشرق شمس اليوم التالي الذي يتم فيه تنفيذ قرار الهدم.”

……………………………………………………………………………..

الطيب في بيته

سخرية:

إن الطيب الساخر فوق الخشبة، هو نفسه الطيب الساخر في الحياة. جوابه جاهز دائما على لسانه.

ذات مساء في تونس، وبمناسبة انعقاد الدورة العاشرة لأيام قرطاج السينمائية، سألته الكاتبة سلوى نعيمي الصحافية آنذاك في مجلة ” كل العرب”،إثر فوز شريطه ” الزفت” بجائزة العمل الأول، مناصفة مع فيلم ” الهائمون” لناصر خمير:

ــ كيف جئت إلى السينما؟

رد عليها بسرعة:

جئتها راكبا ” طاكسي”، وأتمنى أن أغادرها في سيارة من نوع ” جاغوار”.

………………………………………………………………………………

والطيب يكرر دائما أنه يتمنى الموت في بيته، وسط أسرته الصغيرة، وليس فوق خشبة المسرح.

ــ ترى أما زلت عند رأيك؟

سألته فأجاب:

*طبعا. إن الحياة الشخصية بالنسبة لي كفنان لا علاقة لها بالمسرح، فلماذا ،إذن، تريدني أن أسلم الروح إلى خالقها وأنا فوق الخشبة؟ هل لإرباك المتفرجين الذين يذهبون إلى المسرح ، طلبا للفرجة والمتعة والترفيه عن النفس، وليس لتشييع الجنازات إلى المقابر؟..

إن الأعمار بيد الله، وهو الذي يحدد أين تنتهي رحلة العمر، ويتوقف القلب عن النبض؟”.

للمزيد:المخرج والممثل الطيب الصديقي يودع مسرح الحياة

ــ تبدو دائما مقبلا على الحياة، ساخرا من النفس ومن الآخرين، ترى ما هي حدود المزاح والجد معك؟

أجاب وقد غلبت على صوته نبرة   من الجدية:

*أنا اعتبر نفسي رجلا مسؤولا في حياتي، ولي كلمتي والتزاماتي في أعمالي و مواعيدي، وعلاقاتي بالناس، وكلها تترجم حرصي على التعامل بانضباط وحزم، دون أي تصرف طائش، إلا أنني بدل العبوس وتكشيرة الوجه، أفضل أن تكون ملامحي مبتسمة ومنشرحة.

 ولقد كان رسول الله صلى الله عليه ، يدعو المسلمين إلى بشاشة الوجه من خلال  الابتسامة على ملامحهم .

كما أفضل السخرية باعتبارها نوعا من التعبير، وأداة من أدوات الدفاع عن النفس في مواجهة الآخرين.

ومن حسن حظي، أن سخريتي يتقبلها أصدقائي ومعارفي، كما يتقبلها الجمهور”.

ممثلا

شهرة:

ثمة مثل إيطالي شائع يقول إن ” بصمات المشاهير يدفعون ثمنها من أنفسهم”، وحين سألت الصديقي، كصاحب وجه معروف، لاتخطيء العين ملامحه وسط الزحمة عن معاناته في الشارع مع الشهرة، أجاب وعيونه تمسح جدران بيته المزين بلوحاته:

*المسألة صارت عادية بالنسبة لي، إلا انني اشعر بإحساس مفرح تماما، إذا استوقفتني إمرأة عجوز في الطريق، وسألتني عن آخر أخباري، وعن سر غيبتي، وهو نفس الإحساس الذي يغمرني بالسعادة أيضا، حين يشير إلي طفل صغير بأصبعه:” هذا هو الطيب الصديقي”.

وكل ذلك يضع يضع على عاتقي مسؤولية جسيمة، ويدفعني نحو مزيد من تطوير العطاء، لأكون عند حسن ظن هؤلاء الناس الذي يعرفونني، ويعطونني قيمة واعتبارا..

وفي بعض الحالات لايخلو الموقف من مفارقات غريبة، مثلما حدث لي ذات يوم في حافلة متوجهة إلى مطار محمد الخامس.

فقد جلس بجانبي شخص، وكانت الساعة حوالي الساعة السادسة صباحا، وسألني في هذا التوقيت المبكر:” ما هو مستقبل المسرح المغربي؟”.

يبتسم الصديقي معلقا:” لقد كان الأمر مضحكا فعلا..”

Nouvelle image

ــــ

*هذه مجرد مقتطفات من حديث مطول مع الفقيد الصديقي، منشور في العدد الأول من أسبوعية ” كل الفنون”، الصادر بتاريخ 13 نونبر 1993